ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه فعلم أن الشيخ قد أصيب .
ودخل رجل على داوود الطائي في فراشه فرآه يرجف فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون فقال : مه لا تعلم بهذا أحداً وقد أقعد قبل ذلك أربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد .
وقال مغيرة : شكى الأحنف إلى عمه وجع ضرسه فكرر ذلك عليه فقال : ما تكرر على لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكوتها إلى أحد .
[ فصل ]
ويضاد الصبر الهلع وهو الجزع ورود المصيبة والمنع عد ورود النعمة قال تعالى : ( إِنَ الإِنسانَ خُلِقَ هَلوعا إِذا مَسَهُ الشَر جزوعا وإِذا مَسَهُ الخَيرُ مَنوعا ) وهذا تفسير الهلوع .
قال الجوهري : الهلع أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع .
وفي الحديث : ( شر ما في العبد : شح هالع وجبن خالع ) .
قلت : هنا أمران : أمر لفظي وأمر معنوي :
فأما اللفظي فإِنه وصف الشح بكونه هالعاً والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال هالع له فإِنه لا يتعدى ففيه وجهان :
أحدهما : أنه على النسب كقولهم : ليل نائم وسر كاتم ونهار صائم ونوم عاصف كله عند سيبويه على النسب ، أي ذو كذا كما قالوا نأمر ولابن .
والثاني : أن اللفظة غير عن بابها للازدواج مع خالع . . وله نظير .
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 327
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٣٢٧