فإنّه ليس بتقليد أعمى ؛ لأنّ الجهة المرجّحة التي يخضع لها العقل تخرجه عن دائرة الذمّ والقبح ، وتدخله في إطار المدح والحسن . والجهة المرجّحة معرفة من يتبع ، بمورد الاتّباع .
ويرشدك إلى ذلك سيرة العقلاء في جميع أُمورهم ، وشؤونهم مرّ الدهور والأعوام ؛ فإنّهم عند جهلهم بشيء يتّبعون العارف به ، فإنّ دربهم لتحصيل المعرفة بقيم الأشياء هو الرجوع إلى المقوّم العارف بالقيم ، ولمعرفة صحيح الأشياء عن سقيمها هو الرجوع إلى المتخصّص ، وفي علاج مرضاهم هو الرجوع إلى الطبيب ، كما يرجعون لمعرفة معاني الألفاظ إلى أهل اللسان ، أو أئمّة اللغة .
بل يمكن أن يقال : إنّ رجوع الجاهل إلى العالم من العقل الفطري لكلّ إنسان ، فمن البديهي أنّ من لا يعرف الطريق يسأل العارف به .
نظرة إلى السيرة
ومن البديهي أنّ هذه السيرة غير مختصّة بصورة حصول اليقين من قول ، العالم ، بل هي جارية بينهم حتّى في الصورة التي لا يحصل لهم اليقين من قوله ، كما أنّها جارية لديهم في صورة تمكَّنهم من معرفة حال المجهول بالبحث عنه ، وصرف الجهل في سبيل معرفته ، فهم يرجعون إلى العالم إذا لم يقصدوا البحث عن معرفته بأنفسهم .
وأيضاً إنّ هذه السيرة جارية لديهم في صورة تمكَّنهم من الاحتياط ، فإنّ الرجوع إلى العارف لا يختصّ بالصورة التي لم يمكن فيها الاحتياط .
إجراء السيرة في الأُمور الشرعيّة
ولا نريد من تقليد العامّي بالأحكام الشرعيّة عن المجتهد إلا إجراء هذه السيرة العقلائيّة في كيفيّة إطاعة الأحكام الإلهيّة ، فإنّ العقل هو الحاكم في مقام امتثال أوامره تعالى ونواهيه .
ولو كان للشرع طريق خاصّ لامتثال أحكامه لوجب الإخبار به ، وإلا لزم لغويّة