من الميّت إلى الحيّ ، كان العدول واجباً أم جائزاً ، ومن هذا البيان ظهر أنّ قياس باب العدول بباب تبدّل الرأي فاسد ؛ لأنّ تبدّل الرأي كاشف عن خطأ الحجّة السابقة ، والخبر الذي كشف خطؤه عند مخبره لا يصلح لإعطاء الوثوق عند العقلاء ، ولا لعروض الحجّيّة له شرعاً ؛ لانصراف أدلَّة التقليد اللفظيّة عن مثله ، بخلاف الموت فإنّه ليس بكاشف عن هذا المعنى ، بل الموت كما عرفت عبارة عن حصول أمد حجّيّة الحجّة الفعليّة .
ظهر أنّ الباب ليس من صغريات بحث إفادة الأمر الظاهري للإجزاء ، فإنّ مصبّ النزاع في باب الإجزاء إنّما يكون عند كشف الخلاف ، وقد عرفت أنّه لا يكشف الخلاف بالموت ، ولا بالرجوع إلى فتوى الحيّ . هذا كلَّه على مسلك التحقيق .
وإن شئت البحث على مسلك القوم فاصغ لما نتلو عليك : وهو أنّ
اختلاف الحيّ والميّت في الفتوى قد يكون في الحكم التكليفي ، وقد يكون في الحكم الوضعي
.
أمّا الأوّل :
فلا إشكال في تحقّق الامتثال من المستفتي عند تقليده الميّت زمان حياته .
وأمّا الثاني : فله صور
، تشترك الجميع في أنّ الميّت لا يرى اعتبار شيء في متعلَّق حكم ، فكانت فتواه مخالفة للاحتياط ، بخلاف الحيّ فإنّه يراه معتبراً فيه فتكون فتواه موافقة للاحتياط ، وقد عمل المقلَّد في برهة من الزمان بفتوى الميّت ، وهي زمان حياته ، ثمّ رجع إلى الحيّ بعد وفاته ، فهل يمكن الحكم بصحّة أعمال المستفتي السابقة مع أنّ الحيّ يرى فسادها أم لا ؟
الصورة الأُولى : أن يرى الحيّ لزوم التعدّد في التسبيحات الأربع في الصلاة
، وكان الميّت لا يراه ويكتفي فيها بالمرّة ، وأن يرى الحيّ وجوب التعدّد في ضربات التيمّم دون الميّت ، وقد حكم في المتن بعدم وجوب إعادة الأعمال السابقة في الغرضين ، وهو لازم للحكم بصحّتها .
أقول : أمّا صحّة صلواته السابقة في الغرض الأوّل فبنصوص خاصّة تدلّ على أنّ الخلل في أمثال ذلك لا يوجب إعادة الصلاة ، ويدلّ عليه أيضاً عموم قاعدة « لا تعاد » « 1 »
هامش
« 1 » مرّ تخريجه في ص 358 .