فالمقصود من ظهور هذه العناوين في الحال هو أن يكون المرجع عند إصدار الفتوى واستنباط الرأي موصوفاً بتلك الأوصاف العنوانيّة بالفعل ، كما أنّ المراد من الفتوى الفعلي هي التي لم يرجع عنها المفتي ولم يتبدل نظره فيها .
ثمّ إنّ بعض المدقّقين من المعاصرين قرّر انصراف الأخبار إلى الأحياء بتقرير آخر وهو :
أنّ أدلَّة وجوب الرجوع إلى العلماء مثل قوله عليه السلام : « وأمّا الحوادث » إلخ ، وقوله عليه السلام في المقبولة : « فإنّي قد جعلته حاكماً » « 1 » . منصرف إلى الأحياء ؛ لأنّ الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين . « 2 » أقول : كون الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين من كلّ جهة وحيثيّة ممنوع ، فالعلماء الأموات من حيث البحث عن أنظارهم ، ومن حيث الرجوع إلى آرائهم موجودون عند العرف ، كالأحياء منهم .
والحكماء الميّتون من حيث الاستدلال بأقوالهم ، ومن حيث الإرشاد بقصصهم موجودون عند العرف ، كالأحياء منهم .
والشعراء الأموات من حيث نقل أشعارهم موجودون عند العرف كالأحياء .
فإذا قيل : كذا قال الأطبّاء ، أو الفقهاء يشمل الأموات منهم يقيناً ، ولا تجد انصرافاً في هذا الكلام إلى الأحياء .
ومثل ذلك إذا قيل : هذا رأي طبيب ، أو شعر شاعر ، أو نظر خبير ، أو فتوى فقيه ، وقصد منه الميّت فهل ترى يحكم العرف بكذب القائل ؟ كِ .
فإذا قال الأُستاذ لتلاميذه : احفظوا شعر شاعر مجيد ، أو اقرأوا كتاب كاتب بارع ، أو ائتوني برأي متخصّص خبير ، فحفظ التلاميذ شعر شاعر ميّت ، أو قرأوا كتاب كاتب لاحي ، أو أتوه برأي من خبير ماض فهل الأُستاذ يرى أنّ التلامذة لم يطيعوا أمره ؟ ! كلا .
هامش
« 1 » وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 138 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 .
« 2 » انظر : دروس في فقه الشيعة ، ج 1 ، ص 44 .