قال : فكيف رأيته ؟
قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان
لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، معروف بغير تشبيه .
وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى ( لا تدركه
الأبصار ) قال : إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله : ( قد جائكم بصائر من ربكم )
ليس يعني بصر العيون ، ( فمن أبصر فلنفسه ) وليس يعني من أبصر نفسه ( ومن
عمي فعليها ) ليس يعني عمي العيون ، إنما عنى : إحاطة الوهم - كما يقال : فلان بصير
بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب - الله
أعظم من أن يرى بالعين .
ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل كثيرة أنه قال :
كيف يعبد الله الخلق ولم يروه ؟
قال : رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ،
وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب ، وأحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها
والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته .
قال : أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين ؟
قال : ليس للمحال جواب .
قال : فمن أين أثبت أنبياء ورسلا ؟
قال عليه السلام : أنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما
خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه
ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده
يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم ، فثبت
الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن له معبرون
هم أنبياء الله وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين عنه ، مشاركين
للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيدين من عند الحكيم
الاحتجاج — صفحة 77
مساهمون: أحمد بن علي الطبرسي
ص٧٧