ومن عدى أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة على النبي وآله عليهم السلام
في التشهد مستحبة ، وأي شبهة تبقى مع هذا في أنهم عليهم السلام أفضل الناس وأجلهم ،
وذكرهم واجب في الصلاة ، وعند أكثر الأمة من الشيعة الإمامية ، وجمهور أصحاب
الشافعي : أن الصلاة تبطل بتركه ، وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق سواهم أو يتعداهم .
ومما يمكن الاستدلال به على ذلك : أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرس
في كل النفوس تعظيم شأنهم ، وإجلال قدرهم ، على تباين مذاهبهم ، واختلاف
ديانتهم ونحلهم ، وما أجمع هؤلاء المختلفون والمتباينون مع تشتت الأهواء وتشعب
الآراء على شئ كإجماعهم على تعظيم من ذكرنا وإكباره ، فإنهم يزورون قبورهم
ويقصدون من شاحط البلاد وشاطها مشاهدهم ، ومدافنهم ، والمواضع التي رسمت
بصلاتهم فيها ، وحلولهم بها ، وينفقون في ذلك الأموال ، ويستنفدون الأحوال .
فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة : أن أهل نيشابور ومن والاها من تلك
البلدان يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسى
الرضا صلوات الله عليهما بالجمال الكثيرة ، والإهب التي لا يوجد مثلها إلا للحج
إلى بيت الله الحرام ، هذا مع أن المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه
الجهة ، وازورارهم عن هذا الشعب ، وما تسخير هذه القلوب القاسية ، وعطف هذه
الأمم النائية ، إلا كالخارقات للعادات ، والخارج عن الأمور المألوفات ، وإلا فما
الحامل للمخالفين لهذه النحلة ، المنحازين عن هذه الجملة ، على أن يراوحوا
هذه المشاهد ويغادوها ، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق ، ويستفتحوا بها
الاغلاق ، ويطلبوا ببركتها الحاجات ، ويستدفعوا البليات ، والأحوال الظاهرة
كلها لا توجب ذلك ، ولا تقتضيه ولا تستدعيه ، وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم
أو أكثرهم إمامته وفرض طاعته ، وأنه في الديانة موافق لهم غير مخالف ، ومساعد
غير معاند ، ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا ، فإن الدنيا
عند غير هذه الطائفة موجودة ، وعندها هي مفقودة ، ولا لتقية واستصلاح ، فإن
التقية هي فيهم لا منهم ، ولا خوف من جهتهم ، ولا سلطان لهم ، وكل خوف إنما
الاحتجاج — صفحة 338
مساهمون: أحمد بن علي الطبرسي
ص٣٣٨