وروي أنه اتصل بأمير المؤمنين عليه السلام أن قوما من أصحابه خاضوا في التعديل
والتجريح فخرج حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ،
أيها الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه ، أراد أن يكونوا على آداب
رفيعة ، وأخلاق شريفة ، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم : ما لهم ،
وما عليهم ، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي ، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا
بالوعد والوعيد ، والوعد لا يكون إلا بالترغيب والوعيد لا يكون إلا بالترهيب
والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم ، وتلذ أعينهم ، والترهيب لا يكون إلا
بضد ذلك ، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا من اللذات ، ليستدلوا به على ما ورائهم
من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم ، ألا وهي الجنة ، وأراهم طرفا من الآلام
ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة ، ألا وهي النار
فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها ، وسرورها ممزوجا بكدرها وهمومها
قيل : فحدث الجاحظ ( 1 ) بهذا الحديث ، فقال : هو جماع الكلام الذي دونه
الناس في كتبهم ، وتحاوره بينهم .
قيل : ثم سمع أبو علي الجبائي ( 2 ) بذلك ، فقال صدق الجاحظ هذا ما لا
يحتمله الزيادة والنقصان .
هامش
( 1 ) الجاحظ : أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي البصري اللغوي النحوي
كان من غلمان النظام ، وكان مائلا إلى النصب والعثمانية ، وله كتب منها : " العثمانية "
التي نقض عليها أبو جعفر الإسكافي ، والشيخ المفيد ، والسيد أحمد بن طاووس ، وطال
عمره وأصابه الفالج في آخر عمره ومات في البصرة سنة 255 .
الكنى والألقاب ج 2 ص 121
( 2 ) الجبائي : أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان
مولى عثمان بن عفان " ويطلق " على ابنه أبي هاشم عبد السلام بن محمد ويقال لهما : الجبائيان
وكلاهما من رؤساء المعتزلة ، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال ، والكتب الكلامية
مشحونة بمذاهبهما واعتقاد هما ، توفي أبو علي الجبائي سنة 303 .
الكنى والألقاب ج 2 ص 126