أشباحها ، عالما بها قبل ابتدائها ، محيطا بحدودها وانتهائها ، عارفا بقرائنها وأحنائها ( 1 )
وقال عليه السلام في خطبة أخرى : ( 2 )
أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفته توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات
عنه ، جل أن تحله الصفات بشهادة العقول : إن كل من حلته الصفات فهو مصنوع
وشهادة العقول : أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع ، بصنع الله يستدل عليه ، وبالعقول
يعتقد معرفته ، وبالفكر تثبت حجته ، جعل الخلق دليلا عليه ، فكشف به ربوبيته ،
هو الواحد الفرد في أزليته ، لا شريك له في إلهيته ، ولا ند له في ربوبيته ،
بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأمور المقترنة
هامش
( 1 ) نشأ الشئ : حدث وتجدد . والابتداء : بمعنى الإنشاء والروية : الفكر
والتدبر ، وأجال به : إذا أداره والتجربة : الاختبار . والهمامة : التردد . وأحال
الأشياء : صرفها وحولها ولائم : أصلح والغريزة : الطبيعة . والأشباح : الإشخاص
والإحاطة : الاستدارة والشمول والأحناء - جمع الحنوة - : الجانب والناحية .
( أنشأ الخلق إنشاءا ) من غير مادة ( وابتدأهم ابتداءا ) من دون مثال سبق ( بلا روية
أجالها ) ولا فكر أداره ( ولا تجربة استفادها ) ولا خبرة اكتسبها من قبل ( ولا
أحدثها ) كالحركة الحادثة لنا إذا أردنا فعل شئ ما ( ولا همامة نفس اضطرب فيها )
كما تتردد نفوسنا وتضطرب فكل هذه الأمور من لوازم الجسمية تقدست ذاته عنها ( أحال
الأشياء ) ونقلها وصرفها حسب مقتضيات الحكمة والمصلحة ( لأوقاتها ) للقضاء والقدر
وأصلح و ( لائم بين ) ما كان من عالم الغيب ، كالأرواح المجردة ، وما كان من عالم الشهود
كالأجسام المركبة ، وغير ذلك من ( مختلفاتها ) كتوفيقه بين سائر العناصر ( وغرز )
للأشياء ( غرائزها ) ثم خص كل جنس أو نوع بغرائزه الخاصة به ( وألزمها أشباحها )
وأشخاصها ( عالما بها قبل ابتدائها ) كما هو عالم بها بعد إيجادها من غير فرق بين الحالين
( محيطا بحدودها وانتهائها ) شاملا بقدرته وعلمه جميع أطرافها .
( 2 ) إرشاد الشيخ المفيد " قده " أبو الحسن الهذلي عن الزهري وعيسى بن زيد
عن صالح بن كيسان عن أمير المؤمنين " ع " قال - في الحث على معرفة الله - : أول
عبادة الله معرفته . . الخ .