وكمال معرفته التصديق به ، وكمال تصديقه توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له
وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، ( 1 ) لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ،
وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه
فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ( 2 ) ومن أشار إليه فقد حده
ومن حده فقد عده ، ومن قال : " فيم ؟ " فقد ضمنه ، ومن قال : " على م ؟ " فقد
أخلي منه ، ( 3 ) كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شئ لا بمزايلة
فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من حلقه ، متوحد إذ لا
هامش
( 1 ) أول الدين معرفته أي : إن معرفته سبحانه أساس الطاعة والعبادة ، فما لم
- يعرف لا يمكن أن يطاع ، ولا تتم معرفته ، ما لم يذعن العبد ويحكم : بوجوب وجوده
ولا يذعن ويحكم بوجوب وجوده ، ما لم يؤمن ويحكم له بالوحدانية ، وأنه لا شريك له
في ذاته ، لأن الواجب لا يتعدد ، ثم إن كمال هذا التوحيد يكون بالاخلاص له ، وهو : إما جعله خاليا عن النقائص وسلب الجسمية والعرضية وأمثالها عنه ، أو الإخلاص له
بالعمل وكمال هذا الإخلاص هو : نفي الصفات الزائدة عنه تعالى فصفاته تعالى عين ذاته
- علمه ، وقدرته ، وإرادته ، وحياته ، وسمعه ، وبصره ، كلها موجودة بوجود ذاته
الأحدية ، وذاته جامعة ومستوعبة لها وهي عينها ، وليست هي على كثرتها وتعدد معانيها
وتغاير مفهوماتها زائدة على الذات خارجة عنها .
( 2 ) أي : من وصف الله سبحانه بصفة زائدة على ذاته خارجة عنها ، " فقد
قرنه " بغيره في الوجود ومن " قرنه " بغيره فقد صيره ثانيا لقد يمين يصدق عليهما :
" واجب الوجود " وحينئذ يكون قد " جزأه " لأن كل واحد من القديمين جزء لذلك
الواجب ، و " من جزأه " فقد " جهله " إذ جعله في عداد الممكنات ، ولم يعرف الوجود
الواجب فهو لا يتعدد ولا يتجزأ كما هو ثابت في علم الكلام .
( 3 ) ضمنه : جعله محتويا عليه وأخلي منه : جعله خاليا منه .
" ومن أشار إليه " سواء بالإشارة العقلية كأن يجعل له حدا منطقيا مركبا من
جنس وفصل ، أو بالإشارة الحسية " فقد حده " وذلك أن كل مشار إليه لا بد أن يكون
في جهة ما ، وكل ما هو في جهة فلا بد من أطراف وأقطار هي حدوده وينتهي عندها
و " من " فعل ذلك و " حده " " فقد عده " في عداد الممكنات . ومن قال " فيم " هو
فقد جعله ضمن شئ ومن قال " على م " هو فقد جعله مستعل على شئ وغير مستعل
على غير وحينئذ يكون قد " أخلي منه " ذلك الغير