كبيرة ، وبما تميزت به كل واحدة عن الأخرى من سمات ظاهرة كانت علما عليها ، وكانت
المنافسة بين هاتين المدرستين حامية الوطيس ، كل تعيب على الأخرى مسلكها في
التشريع ، وكان لكل منها رجالها واعلامها المبرزون .
مدرسة المدينة
كان لمدرسة المدينة في العصر الأول للاسلام المكانة المرموقة إذ كانت الجامعة التي
يقصدها طلاب الفقه والحديث الراغبون في العلم والمعرفة ، لأنها دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم
والبلد الذي نزل فيها الوحي وعاش فيها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعون فضلا عن كونها
العاصمة السياسية للدولة الاسلامية ، ومركز الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكانت مجمع العلماء
ومثوى الفقهاء ، ودار الأتقياء والصالحين ، وبقيت كذلك وقتا طويلا .
وكان امام هذه المدرسة سعيد بن المسيب ، يرى هو وأصحابه ان أهل الحرمين أثبت
الناس في الفقه ، حيث الصحابة كثيرون والسنة متوافرة ، فما وجدوه مجمعا عليه بين علماء
المدينة فإنهم يتمسكون به ، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواه وأرجحه ، واما
بكثرة من ذهب إليه أو لموافقة لقياس جلي أو تخر صريح من الكتاب والسنة أو نحو
ذلك ، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة ، خرجوا من كلامهم وتتبعوا الايماء
والاقتضاء فحصل لهم من ذلك مسائل كثيرة في كل باب من أبواب الفقه .
أصول هذه المدرسة
الصحابة الذين آثروا فيها هم : عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ،
وأم المؤمنين عائشة ، وعبد الله بن عباس .
قال الشعبي : من سره ان يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر
وقال مجاهد : إذا اختلف الناس في شئ فانظروا ما صنع عمر فخذوا به
وقال ابن المسيب : ما العم أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم من عمر بن الخطاب .
وقال بعض التابعين : دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم
في فقهه وعلمه .
واما عن زيد بن ثابت ، فقد قال مسروق : قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من
الراسخين في العلم ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابة : " أفرضكم زيد " .
وقال الشعبي : غلب زيد الناس على اثنتين : الفرائض والقرآن .
الإصابة — صفحة 55
مساهمون: ابن حجر العسقلاني
ص٥٥