كان عصر الخلفاء الراشدين ، وعصر كبار الصحابة عصرا يحمل طابع التقوى والصلاح
والتمسك بروح الدين والفضيلة التي عرفها من الرسول صلى الله عليه وسلم .
هذا العصر الذي امتاز بالهدوء والنظام ، ولم تختلف فيه وجهات النظر كثيرا في
الحكم بين الأمة وحكامها ، وكان عصر انتصار يقود من نصر إلى نصر ، ومن فتح إلى فتح ،
واتسعت به رقعة البلاد الاسلامية وامتدت أطرافها ونعم الناس فيه بنعمة الدين والدنيا .
ومن هذا يتضح ان الصحابة رضوان الله عليهم تفرقوا في البلاد المفتوحة حاكمين
ومعلمين حراسا ومرابطين قضاة ومفتين ، واثر بعضهم البقاء في المدينة كزيد بن ثابت وعبد
الله بن عمر ، ففي مكة كان عبد الله بن عباس ، وذهب إلى الكوفة عبد الله بن مسعود ، والى
مصر عبد الله بن عمرو بن العاص ، والى الشام معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو
الدرداء ، إلى البصرة أبو موسى الأشعري ، وأنس بن مالك ، وكانت الأمصار متعطشة إلى
معرفة تعاليم الدين الاسلامي الذي بزغ نوره منذ فجر قريب ، فاقبل أهل كل مصر على من
نزل بهم من الصحابة يغترقون من بحورهم ويستفتونهم ويتعلمون منهم ، واكتفى كل مصر
بما عنده ووثقوا به لقلة الاتصال وصعوبة المواصلات .
ولم يكن الصحابة جميعا في العلم والفهم ومعرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم سواء ، فمنهم
من لازم النبي صلى الله عليه وسلم مدة طويلة ، فسمع من الحديث أكثر من غيره ومنهم من لازمة
الغزوات والاسفار ، ومنهم من لم يظفر بذلك
وقد كان لهؤلاء الصحابة آثارهم الخاصة في البلاد التي استوطنوها أو نزلوا بها مما
تركوا فيها من ثروة تشريعية كبيرة ، وبما كان لهم فيها من تلاميذ اخذوا عنهم علمهم وفقههم
وخلفوهم في التشريع وافتاء الناس وقاموا بما كان يقوم به أساتذتهم من الصحابة ، وذلك
هم التابعون كسعيد بن المسيب بالمدينة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح بمكة وإبراهيم النخعي
بالكوفة وابن سيرين والحسن البصري بالبصرة ومكحول وعمر بن عبد العزيز ، وأبي إدريس
الخولاني بالشام وطاوس باليمن ، ويزيد بن حبيب بمصر .
وتبعا لشخصيات الصحابة ومناحيهم في التشريع وتبعا لشخصيات تلامذتهم الذين
ترسموا خطاهم ، ونظرا لاختلاف عادات البلاد وتقاليدها واختلاف معيشتها وأحوالها
الاجتماعية ، والاقتصادية اخذت تبرز الخلافات التشريعية في الأمصار المختلفة ، وبرات
تتكون المدارس الفقهية في هذه الأمصار وتظهر آثارهم واضحة جلية .
وفي مقدمة هذه المدارس ومكان الصدارة منها كانت تقوم مدرسة المدينة ومدرسة
الكوفة ، وبعبارة أخرى مدرسة الحجاز ، ومدرسة العراق ، نظرا لما تركتاه من آثار تشريعية
الإصابة — صفحة 54
مساهمون: ابن حجر العسقلاني
ص٥٤