من عمل الجاهلين . ونحن نكل الحكم فيه إلى العقل السليم ، والمنطق الصحيح .
على أنّ الخليفة كان يسعه أن ينتقي من هذه الكتب ما أو عزنا إليه ممّا ينجع المجتمع البشريّ ، ويتلف ما فيه الإلحاد والضلال ، لكنّه لم يفعل ومضى التاريخ كما وقعت القصّة .
3 - عمرو بن العاص وكرامة عمر !
لمّا فتح عمر مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنة « 1 » من أشهر العجم ، فقالوا له : أيّها الأمير ! إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها . فقال لهم : وما ذاك ؟ فقالوا له : إنّا إذا كانت ثلاث عشرة ليلة نحوا « 2 » من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها ، فأرضينا أباها وحملنا عليها من الحلّي والثياب أفضل ما يكون ثمّ ألقيناها في النيل . فقال لهم عمرو : إنّ هذا شيء لا يكون في الإسلام وإنّ الإسلام يهدم ما كان قبله ، فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى « 3 » ، لا يجري قليلا ولا كثيرا ؛ فكتب إلى عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه . فكتب إليه عمر : أنّك قد أصبت بالّذي فعلت ، إنّ الإسلام يهدم ما قبله . وكتب إلى عمرو : أنّي قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا إليك فألقها في النيل إذا وصل كتابي إليك ؛ فلمّا قدم كتاب عمر رضى اللّه عنه إلى عمرو بن العاص فإذا فيها مكتوب :
من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر : أمّا بعد : فإن كنت إنّما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان اللّه الواحد القهّار هو مجريك فنسأل اللّه الواحد
هامش
( 1 ) - [ « القبط » : قوم من النصارى في مصر ، واللغة القبطيّة لغة مصر القديمة ، والشهور القبطيّة إثنا عشر شهرا ؛ هي : توت ، بابه ، هاتور ، كيهك ، طوبه ، أمشير ، برمهات ، برموده ، بشنس ، بونه ، ابيب ، مسرى ؛ انظر تذكرة الأولياء ، داود الأنطاكي 3 / 108 - 110 ؛ تاريخ اليعقوبي 1 / 189 ] .
( 2 ) - [ في البداية والنهاية : « خلت » ] .
( 3 ) - [ أسماء الأشهر القبطيّة ] .