فالمسيح يكمل تاريخ إسرائيل . وهناك طريقة أخرى لجأ إليها متى لإظهار ذلك الأمر ، وهي
البرهان الكتابي . فقد ملأ متى نصه بشواهد تظهر أن تصرف يسوع ينال إيضاحه من الكتاب
المقدس : " وكان هذا كله ليتم ما قال الرب بلسان النبي " ( 1 / 22 ) . فالذين نبذوا يسوع لم يعرفوا
من هو : فيسوع هو في الحقيقة المشيح الذي ينتظره اليهود .
2 ) وعهد يسوع هذا بما له من سلطة إلى تلاميذه الأحد عشر في إعلان البشارة وفي تلمذة
جميع الأمم . وهذا الاعلان هو قبل كل شئ إعلان " ملكوت السماوات " . بحسب العبارة التي يمتاز
بها الإنجيل الأول والتي تندرج في التقليد اليهودي على ملكوت الله . فالله هو الملك الذي يبقى حاضرا
لشعبه والذي يتدخل بسلطة في أوقات معلومة في مسيرة التاريخ . ولا شك أن هذه الطريقة في الكلام
عن الله تعود إلى حد ما إلى النظام السياسي الذي عرفه إسرائيل على مر القرون : فالاحتلال الروماني
قد بعث عند اليهود حلم تدخل إلهي مطلق . وكان اليهود يقولون في ذلك الزمان : إن الله وحده
ملكنا . وقد حفظ يسوع عبارة " ملكوت السماوات " ولكنه لم يعن بها التحرر السياسي ، وعلى
الخصوص في نظر متى . فقد أورد هذا الكلام بعد موت يسوع ، فلم يكن إذا يرجو أن يتحقق مثل
هذا الحلم .
وقد أصبحت هذه العبارة عند متى اصطلاحا للإشارة إلى سيادة الله على شعبه . لا بل يستعملها
يسوع في صيغة المطلق عندما يبشر ب " أسرار الملكوت " ( 13 / 11 ) . وتعني عادة عند لوقا أو يوحنا
الحياة الأبدية والسماء . ولذلك تبقى العبارة ملتبسة عند متى . فيجب ترجمتها عادة ب " ملك " وأحيانا
ب " مملكة " عندما يسبقها فعل يدل على " الدخول " ( 3 / 2 ) . وهي فوق ذلك لا تهدف إلى المستقبل
فحسب ، بل إلى الحاضر أيضا . وأمثال الملكوت ( 13 ) تعرف ميزاته : يبدأ بحركة الزارع فيثمر حتى
الحصاد الأخير بوجه خفي وعلى رغم ما يصيبه من الإخفاق . إن هذه النظرة إلى الحياة الآخرة سبب
يحول دون أن نعد ملكوت الله والكنيسة شيئا واحدا ، حتى ولو دلت كلمة " كنيسة " ( 16 / 18
و 18 / 18 ) على جماعة التلاميذ الذين يبشرون بالملكوت ويأتون بعلاماته . وشريعة هذه الجماعة هي
الخدمة المتبادلة ( 18 / 12 - 14 ) وهي تمسك في شخص بطرس بطرس بمفاتيح الملكوت ( 16 / 19
و 18 / 19 ) . وهي لا تزال تصلي دائما أبدا فتقول : " ليأت ملكوتك " ( 6 / 10 ) مع أنها تعلم أن
الملكوت قد ابتدأ .
[ التأليف الأدبي ]
انطلق متى من مراجع يشترك فيها مع مرقس أو مع لوقا ، ولكن روايته ، على ما فيها من الائتلاف
على العموم ، تختلف كل الاختلاف عن رواية مرقس ، سوء بعدد المواد الخاصة به وسعتها ( مثل
ذلك : 1 - 2 و 5 - 7 و 11 / 1 - 30 و 13 / 24 - 30 و 36 - 52 و 11 / 10 - 35 و 28 / 9 - 20 ) أم
بالحرية التي يستعمل بها المواد التي يشترك فيها مع مرقس ( قارن على سبيل المثل بين متى 4 / 1 - 11
ومرقس 1 / 12 - 13 وبين متى 8 / 23 - 27 ومرقس 4 / 35 - 41 وبين متى 9 / 9 - 13 ومرقس
2 / 13 - 17 وبين متى 14 / 13 - 21 ومرقس 6 / 32 - 44 وبين متى 16 / 13 - 20 ومرقس
8 / 27 - 30 وبين متى 21 / 18 - 19 ومرقس 11 / 12 - 14 وبين متى 21 / 33 - 46 ومرقس
الكتاب المقدس — صفحة 32
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٣٢