ذلك بعض الألفاظ اللاتينية في صيغة يونانية وبعض التركيبات اللاتينية . ويقدر أن الكتاب موجه
إلى غير اليهود في خارج فلسطين ، لما يظهر فيه من الاهتمام بشرح العادات اليهودية ( 7 / 3 - 4
و 14 / 12 و 15 / 42 ) وترجمة الألفاظ الآرامية والتشديد على أهمية الإنجيل للوثنيين ( 7 / 27
و 10 / 12 و 11 / 17 و 13 / 10 ) . أما الإلحاح في ضرورة اتباع يسوع وحمل الصليب ، فذلك أمر
كان موافقا موافقة خاصة لحاضر جماعة يهزها اضطهاد نيرون . ولما كان مرقس ينبئ بخراب الهيكل
من غير أن يلمح تلميحا واضحا إلى النحو الذي جرت عليه الأحداث ، فما من شئ يحول دون القول
أن الإنجيل الثاني ألف بين السنة 65 والسنة 70 .
أما صلة الكتاب بتعليم بطرس فهي أمر عسير التحديد . إن عبارة بابياس ( لسان حال بطرس )
غير واضحة . ولكن المكان الذي يشغله بطرس يدل على كلام شاهد عيان . ولا يبرز من جماعة الاثني
عشر سوى يعقوب ويوحنا ، كأنهما كفيلان لشهادة بطرس . ومع ذلك فلا يكال له المديح ، وإذا لم
يخص بأحسن مقام فليس في ذلك دليل على حملة عليه .
إن مسألة مراجع مرقس تبقى هي هي بأسرها إذا . فالنقاد يتخيلونه على وجه يختلفون فيه على
قدر ما يجعلون لمرقس من شأن ، عندما يقارنونه بمتى ولوقا ، فيرى بعضهم أنه الأصل الذي استندا
إليه ، ويرى غيرهم أن هناك ، قبل مرقس ، مجملا أولا فيه تقليد على يسوع . ومهما يكن من أمر فإنه
يستشف من تأليف إنجيل مرقس أن هناك مرحلة سابقة للتقليد كان الناس يتناقلون فيها أعمال يسوع
وأقواله بمعزل عن أي عرض شامل لحياته أو لتعليمه . ولا شك أن رواية الآلام بدت في البدء سلسلة
روائية فيها عدة حلقات . ومن الممكن أن بعض المجموعات الأولية ، ك " يوم في كفرناحوم "
( 1 / 21 - 38 ) أو مناظرات 2 - 3 / 6 قد وضعت في وقت مبكر وكانت من مراجع مرقس .
وهناك سؤال لم يلق جوابا : كيف كانت خاتمة الكتاب ؟ من المسلم به على العموم أن الخاتمة كما
هي الآن ( 16 / 9 - 20 ) قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية كتاب من توقف فجائي في الآية 8 . ولكننا
لن نعرف أبدا هل فقدت خاتمة الكتاب الأصلية أم هل رأى مرقس أن الإشارة إلى تقليد الترائيات
في الجليل في الآية لا تكفي لاختتام روايته .
[ أهمية الكتاب ]
كتاب مرقس هو في نظرنا أول نموذج معروف للفن الأدبي المسمى إنجيلا . كثيرا ما فضلت عليه
في استعمال الكنيسة المجموعات اللاحقة والأوسع التي أنشأها متى ولوقا . وقد أعيدت إليه قيمته بفضل
الدراسات الأدبية والتاريخية في القرن التاسع عشر والعشرين . إن النقاد تخلوا اليوم عن وضع سيرة
ليسوع معتمدين على فقرات مرقس وحدها ، ومع ذلك ففي خشونته وعفويته ووفرة عباراته السامية
وطابعه البدائي في التفكير اللاهوتي دليل على قدم المواد التي استعملها . والأشخاص والأماكن
المذكورة مأخوذة من تقاليد قديمة . إن تعاليم يسوع والتشديد على اقتراب ملكوت الله والأمثال
والمناظرات والتعزيمات ليس لها موقع تاريخي أصلي إلا في حياة يسوع في فلسطين . ولا تصدر
الذكريات مباشرة عن ذاكرة أفراد فأصلها يعود إلى شهادة التلاميذ الأولين ، بعد أن صيغت تلبية
لحاجات الوعظ أو التعليم المسيحي أو الرد على الخصوم أو الطقس في الكنائس .
الكتاب المقدس — صفحة 124
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص١٢٤