والشر بأقل منه . وظاهر السياق أن المراد بالعدل في الآية هو العدل الاجتماعي .
وهو أن يعامل كل أفراد المجتمع بما يستحقه . ويوضع في موضعه الذي ينبغي
أن يوضع فيه . وهذا أمر من الله بخصلة اجتماعية متوجه إلى الأفراد المكلفين .
بمعنى أن الله سبحانه يأمر كل واحد من أفراد المجتمع أن يأتي بالعدل . ولازم
ذلك . أن يتعلق الأمر بالمجموع أيضا . فيكلف المجتمع إقامة هذا الحكم
وتتقلده الحكومة بما أنها تتولى أمر المجتمع وتدبره . والإحسان من حيث السياق
كسابق . فالمراد به الإحسان إلى الغير . والإحسان على ما فيه من صلاح حال من
أذلته الفاقة وما فيه من نشر الرحمة وإيجاد المحبة . يعود محمود أثره إلى نفس
المحسن . بدوران الثروة في المجتمع وجلب الأمن . وقوله : ( وإيتاء ذي
القربى ) أي إعطاء المال لذوي القرابة . وهو من أفراد الإحسان . خص
بالذكر . ليدل على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير . الذي هو السبب
بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدني الكبير . ومن المعلوم أن المجتمعات المدينة
الكبيرة ، إنما ابتدأت من مجتمع بيتي . عقده الزواج ثم بسطة التوالد والتناسل .
ووسعه حتى صار قبيلة وعشيرة . ولم يزل يتزايد ويتكاثر . حتى عادت أمة
عظيمة ( 128 ) .
وقوله : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) الفحشاء ما عظم قبحه
من الأفعال والأقوال . والمنكر ما لا يعرفه الناس في مجتمعهم من الأعمال التي
تكون متروكة عندهم لقبحها أو إثمها . كالمواقعة أو كشف العورة في مشهد من
الناس في المجتمعات الإسلامية . والبغي المراد به في الآية التعدي على الغير
ظلما . وهذه الثلاثة : الفحشاء . المنكر . البغي . إذا أصابت مجتمع من
المجتمعات ظهر الفعل الفاحش بين الأعمال المجتمعة فيه الصادرة من أهله .
فينقطع بعضها من بعض . ويبطل الالتئام بينها . وتفسد بذلك النظم . ويخل
المجتمع في الحقيقة . وإن كان على ساقه . وفي ذلك هلاك سعادة الأفراد .
فالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي . أمر بحسب المعنى . باتحاد مجتمع
تتعارف أجزاؤه . وتتلاءم أعماله . لا يستعلي بعضهم على بعض بغيا ، ولا
يشاهد بعضهم من بعض إلا الجميل الذي يعرفونه ، لا فحشاء ولا منكرا ، وعند
هامش
( 128 ) الميزان : 330 / 12 .