وخرج البخاري من حديث الليث عن يونس عن ابن شهاب قال :
أخبرني سالم بن عبد الله ، أن ابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما ،
قال : رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافا [ يعني الطعام ]
يضربون أن يبيعون في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 4 / 441 ، كتاب البيوع ، باب ( 56 ) من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن
لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله ، والأدب في ذلك ، حديث رقم ( 2137 ) ، قوله : " باب من
رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبعه حتى يؤويه إلى رحله ، والأدب في ذلك " أي تعزير من
يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله ، ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك ، وهو ظاهر فيما ترجم له ،
وبه قال الجمهور ، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال ، أما الأول فلما
ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه فدخل فيه المكيل ، وورد التنصيص على المكيل من
وجه آخر عن ابن عمر مرفوعا أخرجه أبو داود .
وأما الثاني : فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب ، وفي بعض طرق مسلم عن
ابن عمر : " كنا نبتاع الطعام فيبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي
ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه ، " وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل :
فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه وبه قال الأوزاعي وإسحق ، واحتج لهم بأن الجزاف مربى فتكفي
فيه التخلية ، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر
مرفوعا " من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه " .
ورواه أبو داود والنسائي بلفظ " نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه " والدار
قطني من حديث جابر " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان البائع
والمشتري " ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن ، وفي ذلك دلالة على اشتراط
القبض في المكيل بالكيل وفي الموزون بالوزن ، فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه
جزافا فقبضه فاسد ، وكذا لو اشترى مكايلة فقبضه موازنة وبالعكس ، ومن اشترى مكايلة
وقبضه ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا ، وبذلك كله
قال الجمهور ، وقال عطاء : يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقا ، وقيل : إن باعه بنقد جاز بالكيل
الأول ، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول والأحاديث المذكورة ترد عليه ، وفي الحديث مشروعية
تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة ، وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك والله
تعالى أعلم .
وفي هذا الحديث جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم ، وقال ابن
قدامة : يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها فإن اشتراها
جزافا ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن أحمد ، ونقلها قبضها .