كان معه أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف
البحر .
قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فجعل لا
يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم
عصابة ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها .
فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تناشده الله
والرحم لما أرسل ، فمن أتاه فهو آمن فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأنزل الله
تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن
أظفركم عليهم ) حتى بلغ ( الحمية حمية الجاهلية ) ( 1 ) وكانت حميتهم أنهم لا
يقروا أنه نبي الله ، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين
البيت ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الفتح : 24 - 26 .
( 2 ) ( فتح الباري ) : 5 / 412 ، 416 ، كتاب الشروط ، باب ( 15 ) الشروط في الجهاد والمصالحة مع
أهل الحرب وكتابة الشروط ، حديث رقم ( 2731 ) ، ( 2732 ) ، وفي هذا الحديث فوائد تتعلق
بالمناسك ، منها : أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة للحاج والمعتمر ، وأن تقليد الهدي وسوقه سنة
للحاج وللمعتمر فرضا كان أو سنة ، وأن الإشعار سنة لا مثلة ، وأن الحلق أفضل من التقصير ،
وأنه نسك في حق المعتمر محصورا كان أو غير محصور ، وأن المحصر ينحر هديه حيث
أحصر ولو لم يصل إلى الحرم ويقاتل من صده عن البيت ، وأن الأولى في حقه ترك المقاتلة إذا
وجد إلى المسالمة طريقا ، وغير ذلك مما قد تقدم بسط أكثره في كتاب الحج ، وفيه أشياء تتعلق
بالجهاد : منها جواز سبي ذراري الكفار إذا انفردوا عن المقاتلة ولو كان قبل القتال ، وفيه الاستتار
عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش لطلب غرتهم ، وجواز التنكب عن الطريق السهل إلى
الطريق الوعر لدفع المفسدة وتحصيل المصلحة ، واستحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي
الجيش ، والأخذ بالحزم في أمر العدو لئلا ينالوا غرة المسلمين ، وجواز الخداع في الحرب ،
والتعريض بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان من خصائصه أنه منهي عن خائنة الأعين .
وفي الحديث أيضا فضل الاستشارة لاستخراج وجه الرأي واستطابة قلوب الأتباع ،
وجواز بعض المسامحة في أمر الدين واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحا في أصله إذا تعين ذلك
للسلامة في المال والسلاح والمآل ، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم ، وأن التابع
لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال بل عليه التسليم ، لأن المتبوع أعرف
بمآل الأمور غالبا بكثرة التجربة ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي .
وفيه جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه ، قال الخطابي مستدلا
بأن الخزاعي الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عينا له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافرا : وإنما اختاره
لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم ، والاختلاط بهم ، والاطلاع على أسرارهم ، قال :
ويستفاد من ذلك قبول قول الطبيب الكافر ، قلت : ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم
حينئذ ، فليس ما قاله دليلا على ما ادعاه ، والله سبحانه أعلم بالصواب .