فصل في محبة النبي صلى الله عليه وسلم للطيب وتطيبه
خرج الإمام أحمد من حديث ( السلام ) أبي المنذر ، عن ثابت عن أنس ،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حبب إلي النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في
الصلاة ( 1 ) .
وخرجه الحاكم من حديث سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر بن سليمان عن
ثابت عن أنس ( رضي الله عنه ) ، إلا أنه قال : وجعل ( 2 ) قرة عيني ، قال
الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ( 3 ) .
وخرجه النسائي ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حبب إلي من الدنيا ( 4 )
النساء والطيب ، وجعل قرة عيني في الصلاة ( 5 ) .
هامش
( 1 ) ( مسند أحمد ) : 3 / 581 ، حديث رقم ( 111884 ) ، ( 11885 ) ، 4 / 54 - 55 ، حديث رقم
( 12644 ) ، 4 / 201 ، حديث رقم ( 13623 ) .
( 2 ) كذا في ( خ ) ، ( ج ) ، وفي المستدرك : " وجعلت " .
( 3 ) ( المستدرك ) : 2 / 174 ، حديث رقم ( 2676 ) ، وقال الحافظ الذهبي في ( التلخيص ) : على شرط
مسلم .
( 4 ) قال العلامة ابن القيم : صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال : حبب إلي من دنياكم
النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة . هذا لفظ الحديث ، ومن رواه : حبب إلي من دنياكم
ثلاث ، فقد وهم ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم : ثلاث ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها ، وكان
النساء والطيب أحب شئ إليه صلى الله عليه وسلم . ( زاد المعاد ) : 1 / 150 ، فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في النكاح
ومعاشرته أهله ، 4 / 250 ، فصل وأما الجماع والباه ، 4 / 336 ، حرف الطاء من فصل في ذكر شئ
من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم .
( 5 ) ( سنن النسائي ) : 7 / 72 ، كتاب عشرة النساء ، باب ( 1 ) حب النساء ، حديث رقم ( 3949 ) ،
( 3950 ) .
قال الحافظ السيوطي : قال بعضهم : في هذا قولان :
أحدهما : أنه زيادة في الابتلاء والتكليف ، حتى يلهو بما حبب إليه من النساء عما كلف من أداء
الرسالة ، فيكون ذلك أكثر لمشاقه ، وأعظم لأجره .
والثاني : لتكون خلواته مع ما يشاهدها من نسائه ، فيزول عنه ما يرميه به المشركون من أنه ساحر
أو شاعر ، فيكون تحبيبهن إليه على وجه اللطف به ، وعلى القول الأول على وجه الابتلاء ، وعلى
القولين فهو له فضيلة .
وقال التستري في ( شرح الأربعين ) : من في هذا الحديث بمعنى : في ، لأن هذه من الدين لا من
الدنيا ، وإن كانت فيها ، والإضافة في رواية دنياكم للإيذان بأن لا علاقة له بها .
وفي هذا الحديث إشارة إلى وفائه صلى الله عليه وسلم ، بأصلي الدين ، وهما التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق
الله ، وهو كمالا قوتيه النظرية والعملية ، فإن كمال الأولى بمعرفة الله والتعظيم دليل عليها ، لأنه لا
يتحقق بدونها ، والصلاة لكونها مناجاة الله تعالى ، على ما قال صلى الله عليه وسلم : المصلي يناجي ربه ، نتيجة
التعظيم على ما يلوح من أركانها ووظائفها .
وكمال الثانية في الشفقة وحسن المعاملة مع الخلق ، وأولى الخلق بالشفقة بالنسبة إلى كل واحد
من الناس نفسه وبدنه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول ، والطيب أخص الذات بالنفس
ومباشرة النساء ألذ الأشياء بالنسبة إلى البدن ، مع ما يتضمن من حفظ الصحة وبقاء النسل المستمر
لنظام الوجود .
ثم إن معاملة النساء أصعب من معاملة الرجال ، لأنهن أرق دينا وأضعف عقلا ، وأضيق خلقا ،
كما قال صلى الله عليه وسلم : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن .
فهو عليه السلام أحسن معاملتهن بحيث عوتب بقوله تعالى : ( تبتغى مرضاة أزواجك ) ، وكان
صدور ذلك منه طبعا لا تكلفا ، كما يفعل الرجل ما يحبه من الأفعال .
فإذا كانت معاملته صلى الله عليه وسلم معهن هذا ، فما ظنك بمعاملته مع الرجال ، الذين هم أكمل عقلا ، وأمثل
دينا ، وأحسن خلقا .
وقوله : وجعلت قرة عيني في الصلاة ، إشارة إلى أن كمال القوة النظرية أهم عنده وأشرف في
نفس الأمر ، وأما تأخيره فللتدرج التعليمي من الأدنى إلى الأعلى ، وقدم الطيب على النساء لتقدم
حظ النفس على حظ البدن في الشرف .
وقال الحكيم الترمذي في ( نوادر الأصول ) : الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل نبوتهم ، وذلك أن
النور إذا امتلأ من الصدر ففاض في العروق التذت النفس والعروق فأثار الشهوة وقواها .
وروي عن سعيد بن المسيب أن النبيين عليهم الصلاة والسلام يفضلون بالجماع على الناس .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أعطيت قوة أربعين رجلا في البطش والنكاح ، وأعطى المؤمن قوة
عشرة فهو صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، والمؤمن بإيمانه ، والكافر له شهوة الطبيعة فقط .
قال : وأما الطيب فإنه يزكي الفؤاد ، وأصل الطيب إنما خرج من الجنة ، تزوج آدم منها بورقة تستر
بها ، فتركت عليه .
وروى أحمد والترمذي ، من حديث أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من سنن المرسلين :
التعطر ، والحياء ، والنكاح ، والسواك .
وقال الشيخ تقي الدين السبكي : السر في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الله تعالى
أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها ، وما يستحيا من ذكره وما لا يستحيا منه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أشد الناس حياء ، فجعل الله تعالى له نسوة ينقلن ما يرينه من أفعاله ، ويسمعنه من أقواله ، التي قد
يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال ، ليكتمل نقل الشريعة ، وكثر عدد النساء ليكثر الناقلون
لهذا النوع ، ومنهن عرف مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها .
قال : ولم يكن ذلك لشهوة منه في النكاح ، ولا كان يحب الوطء البشرية - معاذ الله - وإنما
حبب إليه النساء لنقلهن عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به ، فأحبهن لما فيه من الإعانة على
نقل الشريعة في هذه الأبواب .
وأيضا فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على
نبوته ، ومن جده واجتهاده في العبادة ، ومن أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي ، وما كان
يشاهدها غيرهن ، فحصل بذلك خير عظيم .
وقال الموفق عبد اللطيف البغدادي : لما كانت الصلاة جامعة لفضائل الدنيا والآخرة ، خصها بزيادة
صفة ، وقدم الطيب لإصلاحه النفس ، وثنى بالنساء لإماطة أذى النفس بهن ، وثلث بالصلاة لأنها
تحصل حينئذ . صافية عن الشوائب ، خالصة عن الشواغل . ( شرح الحافظ السيوطي على سنن
النسائي ) : 7 / 72 - 73 ، كتاب عشرة النساء ، باب ( 1 ) حب النساء ، حديث رقم ( 3949 ) .
وأخرجه ابن عدي في ( الكامل ) : 3 / 305 ) ، في ترجمة سلام بن أبي الصهباء رقم ( 36 /
768 ) ، ضعفه ابن حجر وقال الذهبي : الأولى أنه صدوق .
وأخرجه العقيلي في ( الضعفاء الكبير ) 2 / 60 ، ترجمة سلام بن سليمان أبو المنذر القاري رقم
( 666 ) ، قال أبو حاتم : صدوق ، وقال ابن معين لا بأس به .
قال العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشهور بالملأ على القارئ في ( الأسرار
المرفوعة ) : 176 ، حديث رقم ( 190 ) : حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء ، وجعلت قرة
عيني في الصلاة ، قال الزركشي : رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بدون لفظ " ثلاث " .
وقال السخاوي : لم أقف على لفظ " ثلاث " إلا في موضعين من الإحياء وفي تفسير آل عمران
من الكشاف ، وما رأيتهما في شئ من طرق هذا الحديث ، بعد مزيد التفتيش . أما صحته من جهة
المبنى ، فقد قال السيوطي في ( تخريج أحاديث الشفاء ) : لكن عند أحمد من حديث عائشة : كان
يعجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء : النساء والطيب والطعام ، فأصاب اثنتين ، ولم يصب
واحدة ، أصاب النساء والطيب ولم يصب الطعام . قال : إسناده صحيح . إلا أن فيه رجلا لم يسم .
قلت : فيصير إسناده حسنا ، وأما صحته من جهة المعنى ، فلوقوع قرة عينه في الدنيا جعل كأنه منها ،
ويؤيد ما جاء في رواية : " الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة " وهل المقصود بالصلاة : العبادة
الموضوعة لسائر الأنام أو الصلاء عليه صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قال محققه : بل يصير إسناده ضعيفا ، كما تقتضي
بذلك قواعد علم المصطلح . ( الأسرار المرفوعة ) : 176 ، حديث رقم ( 160 ) ، ( المقاصد الحسنة ) :
292 - 293 ، حديث رقم ( 380 ) .
قال الحافظ ابن حجر : أخرجه النسائي من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان ، ومن طريق
سلام بن مسكين ، كلاهما عن ثابت عن أنس ، ومن طريق سيار . رواه أحمد في ( الزهد ) ، والحاكم في
( المستدرك ) ، ومن طريق سلام أخرجه أحمد وابن أبي شيبة ، وابن سعد ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن
عدي في ( الكامل ) وأعله به ، والعقيلي في ( الضعفاء ) كذلك .
وقال الدارقطني في علله : رواه أبو المنذر سلام ، وسلام بن أبي الصهباء ، وجعفر بن سليمان ،
فرووه عن ثابت عن أنس ، وخالفهم حماد بن زيد عن ثابت مرسلا . . وكذا رواه محمد بن ثابت
البصري ، والمرسل أشبه بالصواب .
وقد رواه عبد الله بن أحمد في ( زيادات الزهد ) عن غير أبيه من طريق يوسف بن عطية ، عن
ثابت مرسلا ، ويوسف ضعيف .
وله طريق أخرى معلولة عند الطبراني في الأوسط ، عن محمد بن عبد الله الحضرمي ، عن يحيى
ابن عثمان الحربي ، عن الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس
مثله .
قال الحافظ ابن حجر : ليس في شئ من طرقه لفظ : " ثلاث " بل أوله عند الجميع : " حبب إلي من
دنياكم النساء . . . " وزيادة " ثلاث " تفسد المعنى ( الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ) :
27 ، حديث رقم ( 229 ) ، ( إحياء علوم الدين ) 2 / 50 ، 2 / 65 ، 3 / 341 ، 4 / 454 .