وأما تقرير نسخ الملة المحمدية لسائر الملل
فإنا نقول : أكبر خصومنا في ذلك اليهود ، فلنجعل كلامنا معهم فنقول : إن
من أعظم تلاعب الشيطان باليهود إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وحجرهم
على الله تعالى في نسخ الشرائع ، فحجروا عليه سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم
ما يريد ، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترأسا لهم في جحد نبوته صلى الله عليه وسلم وقرروا ذلك
أن النسخ يستلزم البداء ( 1 ) ، وذلك يقتضي الجهل بعواقب الأمور ، وهو على الله
تعالى محال ، ورد بمنع لزوم البداء من النسخ ، وإنما هو بحسب اختلاف مصالح الخلق
متعلقا ذلك كله بالعلم الأزلي - كما يأتي تقريره - .
هامش
( 1 ) ( البداء ) في اللغة : مصدر الفعل الثلاثي الماضي ( بدا ) بمعنى ظهر ، يقال : بدا الشئ يبدو ، إذا ظهر ،
فهو باد . أورده ابن فارس في ( معجم مقاييس اللغة ) : 212 . ونقله الأزهري في ( تهذيب اللغة ) :
4 / 202 عن الليث . وحكاه الزبيدي في ( تاج العروس ) ، وقد نص الفيومي على نفس المعنى في ( المصباح
المنير ) : 1 / 55 إلا أنه قال : ويتعدى بالهمزة ، فيقال : أبديته ، وبدا الشئ يبدو بدوا وبدوا [ بضم
الباء والدال وتشديد الواو ] وبداءا وبدا - الأخيرة عن سيبويه - ظهر ، وأبديته أنا ، أظهرته .
وتدور بقية معاجم اللغة حول نفس المعنى الذي أثبته هؤلاء بأن كلمة ( بداء ) تعني الظهور ،
ودللوا على ذلك باشتقاقات لغوية ، تشير إلى المعنى المذكور .
وإذا أرادت العرب أن ترفع من قيمة الرجل ، فهي تصفه بأنه ذو ( بدوات ) أي ذو آراء تظهر
له ، فيختار بعضها ويسقط بعضا ، ويبدو أن الدلالة تشير إلى تطور فكر المرء في مواقفه إزاء موارد
الحياة العامة التي تخضع دائما للتغيير والتباين . يقول أبو دريد : قولهم أبو البدوات ، معناه : أبو الآراء
التي تظهر له ، وأحدها : بداة . وفي القرآن الكريم ورد المعنى إحدى وثلاثين مرة ، موزعا على ستة
عشرة سورة ، يفيد معنى الظهور حسب مدلولات الآيات .
أما ( البداء ) في الاصطلاح : فقد انسحب على الأمور الممكنة التي تقع في عالم ( التكون ) والتي
تمتاز بظاهرة ( التغير ) بحيث تبدو الأمور ثابتة أولا ، كأنها تسير وفق سنة واحدة ، ولكن سرعان
ما يظهر فيها ( التبديل ) ، ولهذا اتخذت الحال التي تجري بمقتضاها هذه الحوادث صفة ( البداء ) ، بحيث
يظهر منها خلاف ما كانت عليه أولا .
ومن هنا ظهرت مشكلة في غاية التعقيد في تطور الجانب الاصطلاحي للكلمة ، فمن المتعارف
عليه أن الحياة تسير وفق عناية إلهية تامة ، وإن الله لا يجوز عليه التغير أو التبدل ، وهو أمر ثابت
لكل من تكلم على الظاهرة نفسها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد يلمس أن هناك تغييرا ملموسا
يحدث في دائرة معينة ، فهناك تغير واضح تسلك بمقتضاه بعض حوادث عالم التكون ، ولهذا يتطلب
الأمر حلا للمشكلة القائمة بين عدم تغير الموقف الإلهي من جانب ، وطبيعة التغير الملموس في حوادث
عالم التكوين المشمول بالإرادة الإلهية من جانب آخر .
وقد تبلور عن هذا الموقف اتجاهات ثلاثة حددت من خلالها طبيعة اللفظة في جانبها الاصطلاحي :
الاتجاه الأول : هذا الاتجاه الذي يجعل التغير في المعلوم دون العلم ، فالعلم الإلهي ثابت أزلا
وأبدا ، وأما التغير الملموس فهو في طبيعة المعلوم ، وإن هذا التغير معلوم به أزلها .
الاتجاه الثاني : هذا الاتجاه يرى حدوث التغير في ذات العلم لا في ذات المعلوم ، أي على عكس
الاتجاه الأول ، إلا أن هذا الاتجاه يستخدم ظاهرة التأويل في العلم نفسه .
الاتجاه الثالث : وهذا الاتجاه يذهب إلى أن البداء هو تغيير في العلم دون تأويل لطبيعة العلم ،
ولكن من هو الذي يتغير علمه ؟ وهل التغير هنما بالنسبة للخالق أو للمخلوقين ؟ يرى هذا الاتجاه أن
العلم المتغير ليس علم الخالق ، بل هو ما دونه .
ولمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع بشكل تفصيلي موسع فليرجع إلى : ( نظرية البداء عند صدر
الدين الشيرازي ) ( 979 - 1050 ه ) وأما النسخ فسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى في فصل
( الناسخ والمنسوخ ) .