بمصر ، وأزاحوا البربر عن بلاد المغرب وانتزعوها منهم ومن القوط الجلالقة ، فلم
يتركوا نوعا من أنواع العذاب حتى أحلوه بمن ذكرنا من الأمم ، وهم سكان البسيطة
ومعظم الخليقة من البشر ؟ .
قلنا : هذا اعتراض من لم ترض نفسه بالحكمة ، حتى غفل عن ترتيب حكمة
الباري تعالى في مصنوعاته ، ولم يعلم ما تعطيه حقائق الأشياء ، وذلك أن المحال إنما
تقبل على قدر الاستعداد المهيأ فيها ، وبيان ذلك أن الله تعالى وصف كتابه العزيز بأنه
هدى للناس ، قال تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى
للناس ) ( 1 ) ، وهذا عام مطرد باعتبار القوة والصلاحية ، أي في قوته وصلاحيته أن
يهدي جميع الناس ، وهو عام مخصوص بمن لم يهتد باعتبار الفعل ، إذ كثير من الناس
لم يهتد به ، ثم وصف تعالى كتابه بوصفين متضادين في وروده على الناس بحسب
قبول قلوبهم له على قدر استعدادها ، قال تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من
يقول أيكم زادته هذه إيمانا * فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم
يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم
كافرون ) ( 2 ) ، وقال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين
ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) ( 3 ) ، وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى
وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان
بعيد ) ( 4 ) ، فانظر - أعزك الله - كيف كانت عين القرآن واحدة ، وأثره في قلوب
الناس مختلف ، فيزيد المؤمن به إيمانا على إيمانه ، ويزداد به الكافر كفرا على كفره
حتى يموت كافرا ، وانظر كيف تكون شفاء ورحمة لقوم وخسارا لآخرين ، وكيف
يهتدي به قوم ويكون عمى على قوم ؟ ، وذلك بحسب ما أعطاه الله من الاستعداد
والمهيأ للقبول ، وقد كشف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قناع هذا المعنى ببليغ بيانه :
فخرج البخاري ( 5 ) . . .
هامش
( 1 ) البقرة : 185 .
( 2 ) التوبة : 124 ، 125 .
( 3 ) الإسراء : 82 .
( 4 ) فصلت : 44 .
( 5 ) ( فتح الباري ) : 1 / 232 ، كتاب العلم ، باب ( 20 ) فضل من علم وعلم ، حديث رقم ( 79 ) .