فأما حديث ابن عباس رضي الله عنه فذكره من طريق قاسم بن أصبغ قال :
حدثنا أحمد بن زهير بن حرب ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان الثوري عن
عبد الرحمن بن الحرث ، ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن سفيان
عن عبد الرحمن ، ومن طريق قاسم : حدثنا أحمد بن زهير ، وحدثنا سعيد بن
عبد الحميد بن جعفر ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحرث .
قال كاتبه : وخرجه الترمذي من حديث هناد : حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد
عن عبد الرحمن بن الحرث بن عياش بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم - وهو
ابن عباد بن حنيف - أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال : أخبرني ابن عباس أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين ، فصلى الظهر في
الأولى منهما حين كان الفئ مثل الشراك ، ثم صلى العصر حين ( كان ) ( 1 ) ( ظل )
( 2 ) كل شئ ( مثله ) ( 3 ) ، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر
الصائم ، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ، ثم صلى الفجر حين برق ( 4 ) وحرم
الطعام على الصائم ، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مثله لوقت
العصر بالأمس ، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثليه ، ثم صلى المغرب
لوقته الأول ، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ، ثم صلى الصبح حين
أسفرت الأرض ، ثم التفت إلى جبريل فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك ،
والوقت ( فيما ) ( 5 ) بين هذين الوقتين ( 6 ) .
هامش
( 1 ) تكملة من رواية الترمذي .
( 2 ) زيادة ليست في رواية الترمذي .
( 3 ) تصويب من رواية الترمذي .
( 4 ) في رواية الترمذي : " حين برق الفجر " .
( 5 ) في ( خ ) : " ما " ، والتصويب من الترمذي .
( 6 ) قال أبو عيسى : " وفي الباب عن أبي هريرة ، وبريدة ، وأبي موسى ، وأبي مسعود الأنصاري ،
وأبي سعيد ، وجابر وعمرو بن حزم ، والبراء ، وأنس .
هذا الحديث أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب ما جاء في مواقيت
الصلاة ، حديث رقم ( 149 ) ، قوله : " عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة " ،
قال في التقريب : عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي ، أبو الحارث
المدني ، صدوق له أوهام .
قوله : " عن حكيم وهو ابن بعاد بن حنيف " ، الأنصاري الأوسي ، صدوق . قاله
الحافظ ، وذكره ابن حبان في الثقات ، قاله الخزرجي . . .
قوله : " قال : أخبرني نافع بن جبير بن مطعم " ، النوفلي أبو محمد أو أبو عبد الله المدني ، ثقة فاضل
من الثانية ، مات سنة ( 99 ) تسع وتسعين ، وهو من رجال الكتب الستة .
قوله : " أمني جبريل عند البيت " ، أي عند بيت الله ، وفي رواية في ( الأم ) للشافعي رضي الله
تعالى عنه : " عند باب الكعبة " .
قوله : " مرتين " ، أي في يومين ليعرفني كيفية الصلاة وأوقاتها .
قوله : " فصلى الظهر في الأولى منهما " ، أي المرة الأولى من المرتين ، قال الحافظ في الفتح : بين
ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة ، وهي ليلة الإسراء ، قال
ابن إسحاق : وحدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير ، وقال عبد الرزاق : عن ابن جريج قال :
قال نافع بن جبير وغيره : لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به ، لم يرعه إلا جبريل ، نزل
حين زالت الشمس ، ولذلك سميت الأولى - أي صلاة الظهر - فأمر فصيح بأصحابه : الصلاة
جامعة ، فاجتمعوا ، فصلى به جبريل ، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس . . . فذكر الحديث .
قوله : " حين كان الفئ " ، هو ظل الشمس بعد الزوال .
قوله : " مثل الشراك " ، أي قدره ، قال ابن الأثير : الشراك أحد سيور النعل التي تكون على
وجهها . وفي رواية أبي داود : " حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك " . قال ابن الأثير : قدره
هاهنا ليس على معنى التحديث ، ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل ، وكان حينئذ
بمكة هذا القدر ، والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد
التي يقل فيها الظل ، فإذا كان طول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة ، لم ير بشئ من جوانبها
ظل ، فكل بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار يكون الظل فيه أقصر ، وكل ما بعد عنهما
إلى جهة الشمال يكون الظل أطول .
قوله : " ثم صلى العصر حين كان كل شئ مثله ظل " ، أي سوي ظله الذي كان عند الزوال ،
يدل على ما رواه النسائي من حديث جابر بلفظ : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت
الشمس ، وكان الفئ قدر الشراك وظل الرجل " .
قوله : " ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس ، وأفطر الصائم " ، أي غربت الشمس ودخل وقت
إفطار الصائم ، بأن غابت الشمس ، فهو عطف تفسير .
قوله : " ثم صلى العشاء حين غاب الشفق " ، أي الأحمر - على الأشهر - قاله القاري ، وقال
النووي في شرح مسلم : المراد بالشفق الأحمر ، هذا مذهب الشافعي ، وجمهور الفقهاء ، وأهل اللغة ،
وقال أبو حنيفة والمزني رضي الله عنهما وطائفة من الفقهاء وأهل اللغة : المراد الأبيض ، والأول هو
الراجح المختار . ( انتهى كلام النووي ) .
قال المباركفوري : وإليه ذهب صاحبا أبي حنيفة ، أبو يوسف ومحمد ، وقالا : الشفق هو الحمرة ،
وهو رواية عن أبي حنيفة ، بل قال في ( النهر ) : وإليه رجع الإمام ، وقال في ( الدر ) : الشفق هو
الحمرة عندهما ، وبه قالت الثلاثة ، وإليه رجع الإمام كما هو في شروح ( المجمع ) وغيره ، فكان هو
المذهب ، قال صدر الشريعة : وبه يفتى ، كذا في حاشية النسخة الأحمدية ، ولا شك في أن
المذهب الراجح المختار ، هو أن الشفق الحمرة ، يدل عليه حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشفق
الحمرة " ، رواه الدارقطني ، وصححه ابن خزيمة ، وغيره ، ووقفه على ابن عمر ، كذا في ( بلوغ
المرام ) .
قال محمد بن إسماعيل الأمير في ( سبل السلام ) : البحث لغوي ، والمرجع فيه إلى أهل اللغة ، وابن
عمر من أهل اللغة ، ومخ العرب ، فكلامه حجة ، وإن كان موقوفا عليه .
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم : وقت المغرب ما لم يسقط ثور
الشفق ، قال الجزري في ( النهاية ) : أي انتشاره وثوران حمرته ، من ثار الشئ يثور إذا انتشر
وارتفع . . . وفي ( البحر الرائق ) من كتب الحنفية ، قال الشمني : هو ثوران حمرته . . . ووقع في رواية
أبي داود : وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق ، قال الخطابي : هو بقية حمرة الشفق في الأفق ،
وسمي فورا بفورانه وسطوعه ، وروي أيضا ثور الشفق ، وهو ثوران حمرته . . وقال الجزري في
( النهاية ) : هو بقية حمرة الشمس في الأفق الغربي ، سمي فورا لسطوعه وحمرته ، ويروى بالثاء ،
وقد تقدم .
قوله : " ثم صلى الفجر حين برق الفجر " ، أي طلع ، " وصلى المرة الثانية " أي في اليوم الثاني ،
" حين كأن ظل كل شئ مثله لوقت العصر بالأمس " ، أي فرغ من الظهر حينئذ كما شرع في العصر
في اليوم الأول ، حينئذ قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : وبه يندفع اشتراكهما في وقت واحد ،
على ما زعمه جماعة ، ويدل له خبر مسلم : وقت الظهر ما لم يحضر العصر .
قوله : " ثم صلى المغرب لوقته الأول " ، استدل به من قال : إن لصلاة المغرب وقتا واحدا ، وهو
عقب غروب الشمس ، بقدر ما يتطهر ، ويستر عورته ، ويؤذن ، ويقيم ، فإن أخر الدخول في الصلاة
عن هذا الوقت أثم وصارت قضاءا ، وهو قول الشافعية .
قال الإمام النووي : وذهب المحققون من أصحابنا ، إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ، ما لم يغب
الشفق ، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك ، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت ، وهذا هو
الصحيح الصواب ، الذي لا يجوز غيره . والجواب عن حديث جبريل عليه السلام ، حين صلى المغرب
في اليومين حين غربت الشمس ، من ثلاثة أوجه :
الأول : أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ، ولم يستوعب وقت الجواز ، وهذا جار في الصلوات
سوى الظهر .
والثاني : أنه متقدم في أول الأمر بمكة ، وأحاديث امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة
في أواخر الأمر بالمدينة ، فوجب اعتمادها .
والثالث : أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل عليه السلام فوجب تقديمها .
قوله : " فقال : يا محمد هذا " ، أي ما ذكر من الأوقات الخمسة ، " وقت الأنبياء من قبلك " ،
قال ابن العربي في ( عارضه الأحوذي ) : ظاهره يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات كانت مشروعة
لمن قبلهم من الأنبياء ، ليس كذلك ، وإنما معناه : أن هذا وقتك المشروع لك ، يعني الوقت الموسع ،
المحدد بطرفين ، الأول والآخر ، وقوله : وقت الأنبياء من قبلك ، يعني ومثله وقت الأنبياء قبلك ،
أي صلاتهم كانت واسعة الوقت ، وذات طرفين ، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات
إلا لهذه الأمة خاصة ، وإن غيرهم قد شاركهم في بعضها . وقد روى أبو داود في حديث العشاء :
أعتموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم ، وكذا قال ابن سيد الناس ، وقال : يريد
في التوسعة عليهم في أن الوقت أولا وآخرا ، لا أن الأوقات هي أوقاتهم بعينها . كذا في ( قوت
المغتذي ) .
قوله : " والوقت فيما بين هذين الوقتين " ، قال ابن سيد الناس : يريد هذين وما بينهما ، أما إرادته
أن الوقتين اللذين أوقع فيهما الصلاة وقت لها ، فتبين بفعله ، وأما الإعلام ما بينهما أيضا وقت ، فبينه
قوله صلى الله عليه وسلم .