شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت ، فنظرت فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا
هو على العرش في [ الهواء ] ( 1 ) - يعني جبريل عليه السلام - فأخذتني رجفة
شديدة فأتيت خديجة فقلت : دثروني ، فدثروني وصبوا علي ماءا ( 2 ) ، فأنزل الله
عز وجل : ( يا أيها المدثر ( 3 ) قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر ) .
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " في الهوى " .
أما قوله : " إن أول ما أنزل قوله تعالى : ( يا أيها المدثر ) ، فهو ضعيف بل باطل ، والصواب
أن أول ما أنزل على الإطلاق : ( أقرأ باسم ربك ) ، كما صرح به في حديث عائشة رضي الله عنها ،
وأما ( يا أيها المدثر ) فكان نزولها بعد فترة الوحي ، كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة
عن جابر ، والدلالة صريحة فيه في مواضع ، منها قوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال : فأنزل
الله تعالى : ( يا أيها المدثر ) ، ومنها قوله : ثم تتابع الوحي - يعني بعد فترته - فالصواب : أن أول
ما نزل : ( اقرأ ) ، وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي : ( يا أيها المدثر ) . وأما قول من قال من
المفسرين : أول ما نزل الفاتحة ، فبطلانه أظهر من أن يذكر . والله أعلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " فاستبطنت الوادي " ، أي صرت في باطنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم في جبريل عليه السلام :
" فإذا هو على العرش في الهواء " ، المراد بالعرش الكرسي ، كما تقدم في الرواية الأخرى " على كرسي
بين السماء والأرض " ، قال أهل اللغة : العرش هو السرير ، وقيل : سرير الملك .
قال الله تعالى : ( ولها عرش عظيم ) ، [ الآية 23 / النمل ] ، والهواء هنا ممدود يكتب بالألف ،
وهو الجو بين السماء والأرض كما في الرواية الأخرى ، والهواء : الخالي ، قال تعالى : ( وأفئدتهم
هواء ) [ الآية 43 / إبراهيم ] .
قوله صلى الله عليه وسلم : " فأخذتني رجفة شديدة " ، هكذا هو في الروايات المشهورة " رجفة : بالراء " ،
قال القاضي : ورواه السمرقندي " وجفة : بالواو " وهما صحيحان متقاربان ، ومعناهما : الاضطراب .
قال الله تعالى : ( قلوب يومئذ واجفة ) [ الآية 8 / النازعات ] ، وقال تعالى : ( يوم ترجف
الراجفة ) [ الآية 6 / النازعات ] ، وقال تعالى : ( يوم ترجف الأرض والجبال ) [ الآية 14 / المزمل ] .
( 2 ) قوله صلى الله عليه وسلم : " فصبوا علي ماء " ، فيه أنه ينبغي أن يصب على الفزع الماء ليسكن فزعه . والله تعالى أعلم .
( 3 ) وأما تفسير قوله تعالى : ( يا أيها المدثر ) ، فقال العلماء : المدثر ، والمتلفف ، والمشتمل ، بمعنى
واحد ، ثم الجمهور على أن معناه المدثر بثيابه وحتى الماوردي قولا عن عكرمة أنه معناه المدثر بالنبوة
وأعبائها .
وقوله تعالى : ( قم فأنذر ) ، معناه حذر العذاب من لم يؤمن ، ( وربك فكبر ) أي عظمه
ونزهه عما لا يليق به ، ( وثيابك فطهر ) قيل معناه طهرها من النجاسة ، وقيل قصرها ، وقيل :
المراد بالثياب النفس ، أي طهرها من الذنب وسائر النقائص . ( والرجز ) بكسر الراء في قراءة
الأكثرين ، وقرأ حفص بضمها ، وفسره في الكتاب الأوثان ، وكذا قاله جماعات من المفسرين . والرجز
في اللغة العذاب ، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنه سبب العذاب ، وقيل : المراد بالرجز في
الآية الشرك ، وقيل : الذنب وقيل : الظلم . والله أعلم . ( مسلم بشرح النووي ) : 2 / 565 -
567 ، كتاب الإيمان باب ( 73 ) حديث رقم ( 257 ) .