وأما قسم الله تعالى
بحياته صلى الله عليه وسلم
فقد قال الله تعالى : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) ( 1 ) ، وإنما يقع
القسم بالمعظم وبالمحبوب ، قوله : ( لعمرك ) ( 2 ) ، أصله ضم العين من العمر
ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال ، ومعناه : وبقائك يا محمد ، وقيل : وحياتك . قال
القاضي أبو بكر محمد بن العربي ( 3 ) : قال المفسرون بأجمعهم : أقسم الله تعالى
هامش
( 1 ) الحجر : 72 .
( 2 ) الحجر : 72 .
( 3 ) فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : قال المفسرون بأجمعهم : أقسم الله هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له ، أن قومه من
قريش في سكرتهم يعمهون ، وفي حيرتهم يترددون ، قالوا : روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال : ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد
غيره ، وهذا كلام صحيح .
ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما الذي يمنع أن يقسم بحياة
لوط ، ويبلغ به من التشريف ما شاء ؟ فكل ما يعطي الله للوط من فضل ، ويؤتيه من شرف ، فلمحمد
صلى الله عليه وسلم ضعفاه ، لأنه أكرم على الله منه ، أو لا تراه قد أعطي لإبراهيم الخلة ، ولموسى التكليم ، وأعطى
ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا أقسم الله بحياة لوط ، فحياة محمد أرفع ، ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر
غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة .
المسألة الثانية : قوله : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم ) ، أراد به الحياة والعيش ، يقال : عمر ،
وعمر بضم العين وفتحها لغتان ، وقالوا : إن أصلها الضم ، ولكنها فتحت في القسم خاصة لكثرة
الاستعمال إنما هو غير القسم ، فأما القسم فهو بعض الاستعمال ، فلذلك صارا لغتين ،
فتدبروا هذا .
المسألة الثالثة : قال أحمد بن حنبل : من أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم لزمته الكفارة ، لأنه أقسم بما لا يتم
الإيمان إلا به ، فلزمته الكفارة ، كما لو أقسم بالله تعالى .
وقدمنا أن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " من
كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " ، فإن أقسم بغيره فإنه آثم ، أو قد أتى مكروها على قدر درجات
القسم وحاله .
وقد قال مالك : إن المستضعفين من الرجال والمؤمنين منهم ، يقسمون بحياتك وبعيشتك ، وليس
من كلام أهل الذكر ، وإن كان الله أقسم به في هذه القصة ، فلذلك بيان لشرف المنزلة ، وشرف
المكانة ، فلا يحمل عليه سواه ، ولا يستعمل في غيره .
وقال قتادة : هو من كلام العرب ، وبه أقول ، لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ، ورد القسم
إليه . ( أحكام القرآن لابن العربي ) : 3 / 1130 - 1131 .