تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إمتاع الأسماع — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
واعلم أن من قال : كان متعبدا بشرع من قبله ، إما أن يريد أن الله تعالى كان يوحي إليه بمثل الأحكام التي أمر بها من قبله ، أو يريد به أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم ، فإن قالوا بالأول ، فإما أن يقولوا به في كل شرعه أو في بعضه ، والأول معلوم البطلان بالضرورة ، لأن شرعنا يخالف شرع من قبلنا في كثير من الأمور . والثاني مسلم [ به ] ( 1 ) ولكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنه متعبد بشرع غيره لأن ذلك يوهم التبعية ، وأنه صلى الله عليه وسلم ، ما كان تبعا لغيره بل كان أصلا في شرعه . وأما الاحتمال الثاني وهو حقيقة المسألة فيدل على بطلانه وجوه : الأول : لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب أن يرجع إلى أحكام الحوادث إلى شرعه ، وأن لا يتوقف إلى نزول الوحي ، لكن لم يفعل ذلك لوجهين : الأول : أنه لو فعل لاشتهر ، والثاني أن عمر رضي الله عنه طالع ورقة في التوراة فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد ، فإن قيل : الملازمة ممنوعة لاحتمال أن يقال : أنه صلى الله عليه وسلم علم في تلك الصورة أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله ، ولا جرم توقف فيها على نزول الوحي عليه ، أو لأنه صلى الله عليه وسلم علم خلو شرعهم على حكم تلك الواقعة فانتظر الوحي ، أو لأن أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر فلا يحتاج في معرفتها إلى الرجوع إليهم في كتبهم ، وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها ، لأن أولئك الرواة كانوا كفارا ، ورواية الكفار غير مقبولة سلمنا الملازمة ، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لما احتكم إليه اليهود ، والجواب قوله : إنما لم يرجع إليها في شئ من الوقائع إليهم ، وجب أن يكون ذلك لأنه علم أنه غير متعبد في شئ منها بشرع من قبله ، قوله : إنما لم يرجع إليها لعلمه بخلو كتبهم عن تلك الوقائع ، قلنا : العلم بخلو كتبهم عنها لا يحصل إلا بالمطلب الشديد والبحث الكثير ، فكان يجب أن يقع منه ذلك الطلب والبحث . قوله : ( ذلك الحكم إما أن يكون متواترا أو آحادا ) قلنا : يجوز أن يكون متن الدليل متواترا إلا أنه لا بد من العلم بدلالته على المطلوب من نظر كثير أو بحث دقيق ، وكان يجب اشتغال النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر في كتبهم ، والبحث عن كيفية دلالتها على الأحكام . قوله : ( رجع في الرجم إلى التوراة ) قلنا : لم يكن
هامش
( 1 ) زيادة للسياق .
إمتاع الأسماع — صفحة 360 | المقريزي / محمد عبد الحميد النميسي