خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به ، ثم قال : اللهم ارزقه مالا وولدا ، وبارك له
فيه ، قال : فإني من أكثر الأنصار مالا .
قال أنس : وحدثتني ابنتي أمينة أنه قد دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسع وعشرون ومائة .
ومن طريق الترمذي قال : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود ، عن
أبي خلدة قال : قلت لأبي العالية سمع أنس من النبي صلى الله عليه وسلم قال : خدمه عشر
سنين ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين ، وكان
فيه ريحان كان يجئ منه ريح المسك ( 1 ) .
ومن حديث نوح بن قيس قال : حدثني ثمامة بن أنس ، عن أنس بن مالك
قال : قالت أم سليم : يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له ، قال : اللهم عمره
وأكثر ماله .
وقال الإمام أحمد ( 2 ) : حدثنا معتمر عن حميد أن أنسا عمر مائة سنة إلا
سنة ، ومات سنة إحدى وتسعين .
وخرج البخاري في ( الأدب المفرد ) من طريق عارم قال : حدثنا سعيد
ابن زيد ، عن سنان قال : حدثنا أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل علينا أهل البيت ،
فدخل يوما ، فدعا لنا ، فقالت أم سليم خويدمك ، ألا تدعو له ؟ قال : اللهم أكثر
ماله ، وولده ، وأطل حياته ، واغفر له ، فدعا لي بثلاث ، فدفنت مائة وثلاثة ، وإن
ثمرتي لتطعم في السنة مرتين ، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس ،
وأرجو المغفرة .
وخرج البخاري في ( الصحيح ) ( 3 ) من حديث خالد بن الحارث ، حدثنا حميد
الطويل ، عن أنس قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم ، فأتته بتمر وسمن ، قال :
هامش
( 1 ) ( سنن الترمذي ) : 5 / 641 ، كتاب المناقب ، باب ( 46 ) مناقب لأنس بن مالك رضي الله تبارك
وتعالى عنه ، حديث رقم ( 3833 ) ، ثم قال : هذا حديث حسن ، وأبو خلدة اسمه خالد بن دينار ،
وهو ثقة عند أهل الحديث ، وقد أدرك أبو خلدة أنس بن مالك ، وروى عنه .
( 2 ) ( مسند أحمد ) : 3 / 547 ، حديث رقم ( 11642 ) ، 4 / 36 ، حديث رقم ( 12541 ) ، 4 / 138 ،
حديث رقم ( 13182 ) ، ثلاثتهم من مسند أنس بن مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه .
( 3 ) ( فتح الباري ) : 4 / 285 ، كتاب الصوم ، باب ( 61 ) من زار قوما فلم يفطر عندهم ، حديث رقم
( 1982 ) ، وقال في آخره : قال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثني حميد سمع
أنسا رضي الله تبارك وتعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ : ابن أبي مريم هو سعيد ، وفائدة
ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس ، لما اشتهر من أن حميدا كان ربما دلس
عن أنس ، ووقع في رواية الكريمي والأصيلي في هذا الموضوع : " حدثنا ابن أبي مريم " فيكون
موصولا .
وفي هذا الحديث من الفوائد : جواز التصغير على معنى التلطف لا التحقير ، وتحفه الزائر
بما حضر بغير تكليف ، وجواز رد الهدية إذا لم يشق ذلك على المهدي ، وأن أخذ من رد عليه
ذلك ليس من العود في الهبة . وفيه حفظ الطعام وترك التفريط فيه ، وجبر خاطر المزور إذا لم
يؤكل عنده بالدعاء له ، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة ، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة ،
والدعاء بخيري الدنيا والآخرة ، والدعاء بكثرة المال والولد ، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخروي ،
وأن فضل التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص . وفيه زيارة الإمام بعض رعيته ، ودخول
بيت الرجل في غيبته ، لأنه لم يقل في طرق هذه القصة أن أبا طلحة كان حاضرا . وفيه إيثار الولد
على النفس ، وحسن التلطف في السؤال ، وأن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب
كثرتهم ، ولا طلب البركة فيهم ، لما يحصل من المصيبة بموتهم ، والصبر على ذلك من الثواب .
وفيه التحدث بنعم الله تعالى ، وبمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم لما في إجابة دعوته من الأمر النادر ، وهو
اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد ، وكون بستان المدعو له صار يثمر مرتين في السنة دون
غيره . وفيه التاريخ بالأمر الشهير ، ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرخ به ، وفيه جواز ذكر
البضع فيما زاد على عقد العشر ، خلافا لمن قصره على ما قبل العشرين . ( فتح الباري ) .