موت أبيه
ومات عبد الله بن عبد المطلب - ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل في بطن أمه -
بالمدينة ، وقيل : بالأبواء بين مكة والمدينة ، والأول هو المشهور ، وقيل : مات بعد
ولادته بثمانية وعشرين يوما ، وقيل : بسبعة أشهر ، وقيل : بسنة ، وقيل : بسنتين ،
وقيل : بشهرين ، والأول أثبت .
رضاعه وإخوته في رضاعه
أرضعته أمه صلى الله عليه وسلم سبعة أيام ( 1 ) ، ثم أرضعته " ثويبة " ( 2 ) مولاة " أبي لهب "
هامش
( 1 ) في ( خ ) أيام أمه ، والصواب ما أثبتناه .
( 2 ) قال عروة : " وثويبة مولاة أبي لهب ، وكان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات
أبو لهب ، أريه بعض أهله بشر حيبة ، قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سقيت
هذه بعتاقتي ثويبة " . ذكرها ابن منده في الصحابة ، وقال : اختلف في إسلامها ، وقال أبو نعيم : لا نعلم
أحدا ذكر إسلامها غيره ، والذي في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرمها ، وكانت تدخل عليه بعد ما
تزوج خديجة ، رضي الله عنها ، وكان يرسل إليها الصلة من المدينة ، إلى أن كان بعد فتح خيبر ، ماتت ،
ومات ابنها مسروح . قوله : " وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم " ظاهره أن عتقه لها كان
قبل إرضاعها ، والذي في السير يخالفه ، وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة ، وذلك بعد الإرضاع بدهر
طويل . وحكى السهيلي أيضا أن عتقها كان قبل الإرضاع ، قوله : " أريه " بضم الهمزة وكسر الراء
وفتح التحتانية ، على البناء للمجهول . قوله : " بعض أهله " بالرفع على أنه النائب عن الفاعل . وذكر
السهيلي أن العباس قال : لما مات أبو لهب ، رأيته في منامي بعد حول في شر حال فقال : ما لقيت
بعدكم راحة ، إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين ، قال : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين ،
وكانت بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها . قوله : " بشر حيبة " بكسر المهملة ، وسكون التحتانية ، بعدها
موحدة ، أي سوء حال . وقال ابن فارس : أصلها الحوبة وهي المسكنة والحاجة ، فالياء في حيبة ، منقلبة
عن واو لانكسار ما قبلها . ووقع في " شرح السنة للبغوي " بفتح الحاء ، ووقع عند " المستملي " بفتح
الخاء المعجمة ، أي في حالة خائبة من كل خير ، وقال " ابن الجوزي " : هو تصحيف . وقال
" القرطبي " : يروى بالمعجمة ، ووجدته في نسخة معتمدة بكسر المهملة ، وهو المعروف . وحكي في
المشارق عن رواية " المستملي " بالجيم ، ولا أظنه إلا تصحيفا ، وهو تصحيف كما قال . قوله : " ماذا
لقيت ؟ " أي بعد الموت ، قوله : " لم ألق بعدكم غير أني " ، كذا في الأصول بحذف المفعول ، وفي
رواية الإسماعيلي : " لم ألق بعدكم رخاء " ، وعند عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري : " لم ألق بعدكم
راحة " قال ابن بطال : سقط المفعول من رواية البخاري ، ولا يستقيم الكلام إلا به . قوله : " غير
أني سقيت في هذه " كذا في الأصول بالحذف أيضا ، ووقع في رواية عبد الرزاق المذكورة ، وأشار
إلى النقرة التي تحت إبهامه ، وفي رواية الإسماعيلي المذكورة ، وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي
تليها من الأصابع . وللبيهقي في الدلائل من طريق كذا مثله بلفظ " يعني النقرة " ، وهي ذلك إشارة
إلى حقارة ما سقي من ماء . قوله : " بعتاقتي " بفتح العين ، وفي رواية عبد الرزاق " بعتقي " وهو
أوجه ، والوجه الأولى أن يقول : " بإعتاقي " لأن المراد التخليص من الرق .
وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ، ولكنه مخالف لظاهر القرآن ،
قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ( آية 23 / الفرقان ) ، وأجيب :
أولا : بأن الخبر مرسل ، أرسله عروة ، ولم يذكر من حدثه به ، وعلى تقدير أن يكون موصولا ، فالذي
في الخبر رؤيا منام ، فلا حجة فيه ، ولعل الذي رآها لم يك إذ ذاك أسلم ، فلا يحتج به . وثانيا :
على تقدير القبول ، فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ذلك ، بدليل قصة أبي طالب
كما تقدم ، أنه خفف عنه ، فنقل من الغمرات إلى الضحضاح .
وقال البيهقي : ما ورد من بطلان الخبر للكفار ، فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ، ولا
دخول الجنة ، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم ، سوى
الكفر بما عملوه من الخيرات .
وأما القاضي عياض فقال : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ، ولا يثابون عليها بنعيم
ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض .
قلت : وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي ، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر ،
وأما ذنب غير الكفر ، فما المانع تخفيفه ؟
وقال القرطبي : هذا التخفيف خاص بهذا ، وبمن ورد النص فيه . وقال ابن المنير في الحاشية : هنا
قضيتان : إحداهما محال ، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره ، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح ،
وهذا مفقود من الكافر .
والثانية : إثابة الكافر على بعض الأعمال ، تفضلا من الله تعالى ، وهذا لا يحيله العقل ، فإذا تقرر
ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء ، كما تفضل على أبي
طالب ، والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا . قلت : وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراما لمن
وقع من الكافر من البر له ونحو ذلك . والله أعلم . ( فتح الباري ج 9 ص 173 ، 174 - كتاب
النكاح - باب : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) .