وهناك النجدة والكفاية ، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة ، إنما هو
جمع شتات الرأي ، واستتباع رجل . . . فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى
الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد ،
لم ينتظم تدبير ، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير . . . .
وإذا تبين الغرض من نصب الإمام ، لاح أن المقصود لا يحصل ، إلا بذي
كفاية ودراية ، وهداية إلى الأمور ، واستقلال بالمهمات ، وجر الجيوش ، على
ترك الرقة والإشفاق ، ثم لا يكفي أن يسمى كافيا " ، فرب مستقل بأمر قريب ، لا
يستقل بأمر فوقه ، فلتعتبر مقاصد الإمامة ، وليشترط استقلال الإمام بها ، فهذا
معنى النجدة والكفاية ( 1 ) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 240 ه / 780 - 805 م ) عن الرجلين
يكونان أميرين في الغزو ، وأحدهما قوي فاجر ، والآخر صالح ضعيف ، مع
أيهما يغزي ؟ فقال : أما الفاجر القوي ، فقوته للمسلمين ، وفجوره على نفسه ،
وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه ، وضعفه على المسلمين ، فيغزي مع
القوي الفاجر .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي : بأقوام
لا خلاق لهم ، فإذا لم يكن فاجرا " ، كان أولى بإمارة الحرب ، ممن هو أصلح
منه في الدين ، إذا لم يسد مسده ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن
الوليد على الحرب منذ أسلم ، وقال : إن خالدا " سيف سله الله على
المشركين ، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال :
بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا :
هامش
( 1 ) الجويني : الغياثي ص 88 - 91 .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 18 - 19 .