إذ أننا رغم كل ما قدمناه من الدفاع عنه فإن قلة الرحلة عند ابن أبي
الدنيا أضرت به كثيرا ، فاضطر إلى رواية بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة من
طريق شيخ فيه كلام ، لأنه فاته سماعه من حافظ ثقة ، فلما احتجاج إليه اضطر
إلى روايته كيفما اتفق ، وهذا قليل جدا - كما ذكرت - ، ولعله أراد أن
يخرجه من طريق آخر ، فيه غرابة أو نكتة زائدة ، فإنه حافظ كبير ، ونصف
شيوخه أو أكثرهم من شيوخ البخاري ومسلم والله أعلم .
والذي يشفع لابن أبي الدنيا أنه ضم إلى كونه محدثا مهمة علاج أدواء
المجتمع الإسلامي فكان حامل لواء الأخلاق والمثل ، وكان مؤرخا ( 1 ) يتتبع
الأخبار والسير ، وكان أديبا مولعا بالشعر والأدب وزاهدا عبادا يتتبع أخبار
الزهد والرقائق ، ومن كثرت اختصاصاته خف تركيزه . ورغم هذا فابن أبي الدنيا
إمام علم في هذه الفنون جميعها ، ويكفيه ما خلف فيها من الآثار ، والتي
تعد مفخرة له ، ومفخرة لسلفنا وتراثنا وديننا . رحم الله علماء سلف الأمة .
وبارك في خلفها وألحقنا بالصالحين منهم .
* * *
هامش
( 1 ) السخاوي - الاعلان بالتوبيخ صم 423 و 426 ، روزنثال - علم التاريخ ص 686
و 690 .