ونستدرك هيهنا عن الكتب التي لم نرو عنها فيما سبق . رواه جماعة ( 1 ) :
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر خالد محمد في ( أبناء الرسول صلى الله عليه وآله في كربلا ) ص 60
ط دار ثابت بالقاهرة قال :
وذات يوم ، دس للإمام الحسن السم في الطعام . . ! ! !
ويمسك التاريخ في هذه الجريمة الدنيئة ، بإحدى زوجاته وهي - جعدة بنت الأشعث بن قيس -
كما يمسك بأصابع الغدر الأموي . . . ومن عجب أن الأشعث بن قيس ، والد جعدة - كان من أبرز
أنصار الإمام علي . . ثم كانت له أثناء خدعة التحكيم وبعدها مواقف مشبوهة ، ومحاولات غريبة . .
كانت سببا في أكثر ما نزل بالإمام يومها من آلام وأخطار .
إلى أن قال في ص 61 :
ومن أسف أن الذي توقعه قد حدث . . فرفض مروان بن الحكم أمير المدينة من قبل معاوية أن
تحقق رغبة الشهيد المسجى . . وأنزل إلى الشارع حرسه المسلح في خسة ودناءة ، تليقان بمروان ،
وبمن على شاكلة مروان . . ! ! ورأى الحسين رضي الله عنه ذلك ، فانتضى سلاحه ، وصمم على إنفاذ
وصية أخيه . . لكن نفرا من الصحابة الأجلاء ذكروه بالفقرة الأخيرة من الوصية وحملوه عليها :
فإن منعوك ، فلا تراجعهم ، وادفني في البقيع . .
وشرف ثرى البقيع بهذا الضيف المجيد . . وآبت إلى وطنها في جنات الخلد روح السيد وروح
الشهيد .
وقال الفاضل المعاصر موسى محمد علي في كتابه : ( حليم آل البيت الإمام الحسن بن علي رضي
الله عنه ) ص 207 ط عالم الكتب بيروت قال :
الحياة بذكر الحق سبحانه ، بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق ، أتم من البقاء بنعمة الخلق ، مع
الحجبة عن الحق ، وكأس الموت توضع على كف كل حي ، فمن تحلاها طيبة بها نفسه ، أورثته ما
أوجبه الله ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ومن تجرعها على وجه
التعبس ، وقع في وهدة الرد والطرد ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون .
وإمامنا الحسن بن علي رضي الله عنه ، تجرع كأس الموت ، وهو طيب النفس ، راضي القلب ،
رافع الرأس إلى السماء قائلا : اللهم إني أحتسب نفسي عندك ، فإنها أعز الأنفس علي .
وكان سبب وفاته رضي الله عنه ، ما كان يخشاه يزيد بن معاوية ، من رجوع الأمر إلى الحسن ،
بعد وفاة أبيه معاوية . ذلك : أن معاهدة الصلح التي أبرمت بين الإمام الحسن ومعاوية ، كانت كفيلة
برجوع الأمر إلى الحسن بعد موت معاوية ، فشرط الصلح التي تمت بين الطرفين عليها إمضاء
معاوية وهو الخليفة ، وكان ذلك تحت يد الإمام الحسن رضي الله عنه ، حسبما تم الاتفاق بينهما على
ذلك . وكان يزيد بن معاوية ، لا يتمتع بسمعة طيبة ، عكس ما عليه الإمام الحسن من حب الناس
له ، وتقديرهم إياه وقرابته لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . من أجل ذلك ، فكر يزيد ، وقدر ،
ورتب أموره ، وأحكم خطته ، ودس لإحدى زوجات الإمام الحسن رضي الله عنه ، وهي : جعدة
بنت الأشعث بن قيس الكندي ، وعاهدها ووعدها ومناها أنها ، إن أنفذت أمره ، وحققت رغبته ،
وقتلت الإمام الحسن ليتزوجها . وبذل يزيد لها مائة ألف درهم ، واستجابت لنزعاته ، وأحكمت
خطتها ، ودبرت مكرها فأطعمته رضي الله عنه السم ، فمرض لمدة أربعين يوما ، ثم كان ما كان من
وفاة ، فمات حميدا شهيدا رضي الله عنه .
وبعثت ليزيد بعد موت الإمام الحسن رضي الله عنه ، تطلب منه الوفاء بما وعدها ، ولكن الله لا
يهدي كيد الخائنين . فقال لها يزيد : لم تصنعي الخير مع ابن رسول الله ، ومن هو خير مني ، فكيف
تصنعينه معي ؟ فباءت بالخيبة جزاء ما صنعت بالخيانة ، وجنت ثمار الغدر بما ارتكبته بالمكر
والإجرام .
أخرج الحافظ ابن كثير بسنده عن عمران بن عبد الله قال : سمعت من يقول : كان معاوية
قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما ، أي الحسن .
وعن المغيرة عن أم موسى أن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم ، فاشتكى منه
شكاة ، قال : فكان يوضع تحت طشت ويرفع آخر نحوا من أربعين يوما .
وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سمي الحسن وأنا أتزوجك
بعده ، ففعلت ، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال : أنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا ؟
ولما حضرته الوفاة اجتمع إليه الناس فقال : أيها الحاضرون ، اسمعوا وأنصتوا لما أقول لكم الآن :
هذا الحسين أخي إمام بعدي فلا إمام غيره ، ألا فليبلغ الحاضر الغائب ، والوالد الولد ، والحر العبد ،
والذكر الأنثى ، وهو خليفتي عليكم ، لا أحد يخالفه منكم ، نحن ريحانتا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، سيدا شباب أهل الجنة ، فلعن الله من يتقدم ، أو يقدم علينا أحدا . وإني ناص عليه كما نص
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، وكما نص أبي علي ، وهو
الخليفة بعدي من الله ورسوله ، ثم أوصيك يا أخي بأهلي وولدي خيرا ، واتبع ما أوصى به جدك
عليه الصلاة والسلام ، وأبوك وأمك رضوان الله عليهما .
ثم التفت إلى أخيه محمد بن الحنفية ، وقال له : يا محمد بن علي ، أما علمت أن الحسين بن علي
بعد وفاة نفسي ، ومفارقة روحي وجسمي ، إمام من بعدي ؟ وعند الله في الكتاب الماضي وراثة النبي
أصابها في وراثة أبيه وأمه ، علم الله أنكم خير خلقه ، فاصطفى منكم جدنا محمدا صلى الله عليه
وسلم ، واختار محمد عليا ، واختارني علي للإمامة ، واخترت أنا أخي الحسين لها ، ثم قال له : يا أخي
إن هذه آخر ثلاث مرات سقيت السم ، ولم أسقه مثل مرتي هذه ، وأنا ميت من يومي ، وجهد به
أخوه يخبره بمن سقاه السم ، فلم يخبره بمن سقاه ، وقال له : الله أشد نقمة إن كان الذي أظن ، وإلا فلا
يقتل بي والله برئ ا ه .
وفي رواية ابن عبد البر : إني يا أخي : سقيت السم ثلاث مرات ، لم أسقه مثل هذه المرة ، وجهد به
الحسين ليخبره بمن سقاه . فقال : ما سؤالك عن هذا ؟ تريد أن تقاتلهم ؟ أكل أمرهم إلى الله .
وفي رواية أخرى ، لقد سقيت السم مرارا ، ما سقيته مثل هذه المرة ، ولقد لفظه طائفة من كبدي ، فرأيتني
أقبلها بعود . فقال له الحسين : أي أخي من سقاك ؟ قال : وما تريد ؟ تريد أن تقتله ؟ قال : نعم ،
قال : لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة ، وإن كان غيره فلا يقتلن بي برئ .
ورأى في منامه كأنه مكتوب بين عينيه ( قل هو الله أحد ) ، فاستبشر به ، هو وأهل بيته ،
فقصوها على ابن المسيب فقال : إن صدقت رؤياه فقل ما يبقى من أجله ، ثم قال في آخر وصاياه :
حفظكم الله أستودعكم الله ، خير خليفة من بعدي عليكم ، وكفى به خليفة ، وإني منصرف عنكم ،
ولاحق بجدي وأبي وأمي وأعمامي ، ثم قال : عليكم السلام يا ملائكة ربي ورحمة الله تعالى وبركاته ،
فلفظ آخر أنفاسه من الدنيا .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده قال : لما حضرته الوفاة قال : أخرجوا فراشي إلى صحن
الدار حتى أنظر في ملكوت السماوات ، فلما أخرجوا فراشه رفع رأسه إلى السماء فنظر وقال : اللهم
إني احتسب نفسي عندك ، فإنها أعز الأنفس علي ا ه .
قال له الحسين رضي الله عنه : لم تجزع وأنت تقدم على أهلك وأقاربك ؟ فقال له : أي يا أخي إني
أدخل في أمر من الله لم أدخل في مثله وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثلهم قط . فبكى الحسين
رضي الله عنه ، وكان قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن خاف أن
يكون في ذلك شئ فليدفن بالبقيع ، فأبى مروان أن يدعه وقال : ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد دفن عثمان بالبقيع ، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي
معاوية بذلك ، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات .
فتسلح الحسين وجمع مواليه ، فقال له جابر ، يا أبا عبد الله ، اتق الله ولا تثر فتنة ، ولا تسفك
الدماء ، وادفن أخاك إلى جنب أمه ، فإن أخاك قد عهد بذلك إليك ، فدفن في بقيع الغرقد .
ولما امتنع مروان من أن يدفن الحسن رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لامه
أبو هريرة وذكر له فضل علي والحسن ، فقال له : إنك والله أكثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحديث . فلا نسمع منك ما تقول ، فهل من غيرك يعلم ما يقول ؟ فقال له : هذا أبو سعيد الخدري .
وقيل : توفي سنة 46 قمرية من الهجرة . . والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين كما ذكرنا . . وقال
آخرون : مات سنة خمسين ، وقيل سنة إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين . وعاش مع أبيه علي ( 38 )
وستة أشهر ، وستة أخرى خليفة بعد أبيه رضي الله عنهما . حاصله : أنه عاش في حياة النبي صلى الله
عليه وسلم ( 8 سنوات ) . وفي حياة أبيه رضي الله عنه ( 39 ) سنة . وفي حياة معاوية رضي الله عنه
( 10 ) سنين ، فسنه رضي الله عنه عنه يتراوح بين ( 47 ) و ( 48 ) سنة .
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : مات الحسن بن علي رضي الله عنهما بالمدينة واختلف في
وقت وفاته فقيل : مات سنة تسع وأربعين . وقيل بل مات في ربيع الأول من سنة خمسين بعد ما
مضى من إمارة معاوية عشر سنين . وقيل : بل مات سنة إحدى وخمسين ، ودفن ببقيع الغرقد وصلى
عليه سعد بن العاص وكان أميرا بالمدينة قدمه الحسين للصلاة على أخيه ، وقال : لولا أنها سنة ما
قدمتك . ومن طريق ما ثبت أن : رأى الحسن بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه ، ( قل هو الله
أحد ) ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال : إن كان رأى هذه الرؤيا فقل ما بقي من أجله .
قال : فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياما حتى مات .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا عبد الرحمن بن صالح بسنده عن عمير بن إسحاق ، قال :
دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال : لقد
لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود ، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيت مرة هي أشد من هذه ،
قال : فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد ، وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند
رأسه ، فقال : أي أخي من صاحبك ؟ قال : تريد قتله ، قال : نعم ، قال : لئن كان صاحبي الذي أظن
فالله أشد نقمة . وفي رواية : فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا ، وإن لم يكنه فما أحب أن تقتل بي بريئا .
ورواه محمد بن سعد عن ابن عون ، وقال محمد بن عمر الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر عن
أم بكر بنت المسور ، قالت : الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه ، حتى كانت المرة الآخرة التي مات
فيها فإنه كان يختلف كبده ، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا .
وقال الواقدي : وحدثتنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت : حد نساء بني هاشم على الحسن بن
علي سنة . ويقال : أنه كان سقي سما ، ثم أفلت ، ثم سقي فأفلت ، ثم كانت الآخرة ، توفي فيها ، فلما
حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه : هذا رجل قطع السم أمعاءه . فقال الحسين : يا أبا محمد
أخبرني من سقاك ؟ قال : ولم يا أخي ؟ قال أقتله والله قبل أن أدفنك ، ولا أقد عليه أن يكون بأرض
أتكلف الشخوص إليه . فقال : يا أخي : إنما هذه الدنيا ليال فانية . دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله ،
وأبي يسميه .
وقال أبو نعيم رضي الله عنه : لما اشتد بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له :
يا أبا محمد ما هذا الجزع ؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك . فتقدم على أبويك علي وفاطمة ،
وعلى جديك النبي صلى الله عليه وسلم ، وخديجة ، وعلى أعمامك حمزة وجعفر ، وعلى أخوالك = القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم ، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب ، قال : فسرى عنه .
وفي رواية أن القائل له ذلك الحسين ، وأن الحسن قال له : يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله
لم أدخل في مثله ، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثلهم قط . قال : فبكى الحسين رضي الله عنهما .
ويقول اليعقوبي : لما لف الحسن في أكفانه قال محمد بن الحنفية : رحمك الله أبا محمد ، فوالله لئن
عزت حياتك لقد هدت وفاتك ، ولنعم الروح روح عمر به بدنك ، ونعم البدن بدن ضمه كفنك لم لا
يكون كذلك وأنت سليل الهدى وحليف أهل التقوى . وخامس أصحاب الكساء . غدتك كف
الحق ، وربيت في حجر الاسلام ، وأرضعتك ثديا الإيمان ، فطب حيا وميتا فعليك السلام ورحمة الله ،
وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ، ولا شاكة في الخيار لك . ثم أخرج نعشه يراد به قبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فركب مروان بن الحكم ، وسعد بن العاص فمنعنا من ذلك حتى كادت تقع
فتنة .
ثم استطرد يقول : توفي الحسن بن علي وابن عباس عند معاوية فدخل عليه لما أتاه نعي
الحسن ، فقال له : يا بن عباس إن حسنا مات . فقال إنا لله وإنا إليه راجعون على عظم الخطب ،
وجليل المصاب أما والله يا معاوية لئن كان الحسن مات فما ينسئ موته في أجلك ، ولا يسد جسمه
حفرتك ، ولقد مضى إلى خير . ولا أحسبه قد خلف إلا صبية صغارا قال : كل ما كان صغيرا يكبر ،
قال بخ بخ يا بن عباس أصبحت سيد قومك قال أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين ابن رسول الله
فلا .
قال العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي صاحب ( عقد الفريد ) في طبائع النساء
وما جاء فيها من العجائب والغرائب ص 183 ط مكتبة القرآن بولاق القاهرة قال :
لما مات الحسن بن علي عليهما السلام ضربت امرأته فسطاطا على قبره ، وأقامت حولا ، ثم
انصرفت إلى بيتها ، فسمعت قائلا يقول : أدركوا ما طلبوا . فأجابه مجيب : بل ملوا فانصرفوا .