بالله وبرسوله من ذلك ، فضرب على ظهرك وقال : إياك أن تكوني فيها ؟ إياك أن
تكونيها يا حميراء ، أما أنا فقد أنذرتك . قالت عائشة : نعم ، أذكر هذا .
ومنهم العلامة الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي الحنفي المتوفى سنة 739
في " الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان " ( ج 8 ص 258 ط بيروت ) قال :
أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا
وكيع وعلي بن مسهر ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : لما أقبلت عائشة مرت ببعض
مياه بني عامر طرقتهم ليلا فسمعت نباح الكلاب فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء
الحوأب . قالت : ما أظنني إلا راجعة . قالوا : مهلا يرحمك الله ! تقدمينا فيراك
المسلمون فيصلح الله بك ، قالت : ما أظنني إلا راجعة ، إني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول : كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب .
ومنهم الفاضل الأمير أحمد حسين بهادر خان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه
" تاريخ الأحمدي " ( ص 167 ط بيروت سنة 1408 ) قال :
وفي " كنز العمال " عن أم راشد قالت : سمعت طلحة والزبير . يقول أحدهما
لصاحبه : بايعته أيدينا ولم تبايع قلوبنا ، فقلت لعلي فقال : ( فمن نكث فإنما ينكث
على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال محمد بن عبد الله الإسكافي في المعيار والموازنة ص 53 :
فلما بلغه [ أمير المؤمنين علي عليه السلام ] رضي الله عنه وعن جميع المؤمنين مسير
طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد
النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد صارت عائشة والزبير وطلحة وكل يدعي الأمر دون
صاحبه يطلبه طلحة لأنه ابن عم عائشة ولا يرى الزبير إلا أنه أحق بالخلافة لأنه ختن
عائشة ، فوالله لئن ظفروا بما يريدون ولا يرون ذلك أبدا ليضربن طلحة عنق الزبير
والزبير عنق طلحة ، تنازعا شديدا على الملك ، والله إن راكبة الجمل لا تصعد عقبة ولا
تنزل منزلا إلا إلى معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها متألف الهلكة يقتل
ثلثهم ويهزم ثلثهم ويتوب ثلثهم ، والله لتنبحنها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبر أو
يتفكر متفكر ؟ والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ، ولرب عالم
قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه .
فتدبروا رحمكم الله هذه الأنباء ففيها التبيان والشفاء ، وتفهموا ما يرد عليكم من
الهدى ، ولا يذهبن عنكم صفحا لتعلموا أن أموره مبنية على يقين متقدم ، وعلم ثاقب
وحجة بالغة . لا يهم عند الشدائد ولا يفتر عند النوازل ، أمره في التقدم والبصيرة أمر
واحد لا يضجع في القول ، ولا يفتر عند الإقدام ، ولا يفرق بين حاله أيام النبي صلى الله
عليه وسلم ، وبين هذه الحال في الجهد والاجتهاد ، والقوة والعزم والبصيرة في جميع
أموره [ فلاحظوا أحواله ] لتعلموا أن أعماله مبنية على أساس اليقين ، وأموره ماضية
على البصيرة في الدين ، وأن هذه الأفعال لا يبينها إلا علم نافذ و [ أن ] أموره لا تتسق
ولا تتفق إلا لمن اعتمد على الثقة والمعرفة ، وأيد بالنصر من الله والملائكة .
ثم قوله [ عليه السلام ] على المنبر : إنه لم ير إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل الله .
لا يجترئ من خالفه أن يدعي مثل هذه ولا يقدم أحد على تكذيبه ، فأين هذه إلا
له .
ثم نتبع هذا الكلام بأن نقول : [ إنه كان يقول ] : إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم
إلى أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين .
فهل تجد لمن خالفه مثل هذه الدعوى قبل النظر في الحجة ؟ وما تجد لهم إلا عللا
ملفقة ينكرها من سمعها ، ويستدل على ريبة القوم بها وضعفهم عند ذكرها ، فمرة
يطلب بدم عثمان ، ومرة بايعنا مكرهين ، ومرة جئنا لنصلح بين الناس مع ما يرد عليهم
من الاحتجاج ، ممن رأى الاختلاف في قولهم والتناقض في منطقهم ، وما تروون من
تلون عائشة ، وروايتكم عنها مرة : أخرج للإصلاح ، ومرة تعزم على الرجوع عند
تذكر الخطأ ، وعند التوقيف لها [ كذا ] .
هذه روايتكم ظاهرة مكشوفة في ماء الحوأب [ بأسانيدكم ] عن الشعبي ، عن ابن
عباس ، قال : طرقت عائشة وطلحة والزبير ماء الحوأب ومن معهم ليلا وهو ماء لبني
عامر بن صعصعة ، فنبحتهم كلاب الحوأب ، فنفرت صعاب إبلهم ، فقال قائل : لعن الله
أهل الحوأب ما أكثر كلابهم .
قالت عائشة : أي ماء هذا ؟ فقال محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير : هذا ماء
الحوأب ، فقالت عائشة : والله لا صحبتكم ردوني ردوني ، إني سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول : كأني بكلاب ماء الحوأب قد نبحت على امرأة من نسائي
وهي في فئة باغية ، ثم قال : لعلك أنت يا حميراء ، قال : ثم دعا عليا فناجاه بما شاء .
ردوني . فقال لها الزبير : مهلا يرحمك الله ، يراك الناس والمسلمون فيصلح الله ذات
بينهم . وقال طلحة : ليس هذا بحين رجوع .
ثم جاء عبد الله بن الزبير ، فقال : ليس هذا ماء الحوأب ، وحلف لها على ذلك ،
قال : وهل من شاهد يشهد على أن هذا ليس ماء الحوأب ؟ فأقاموا خمسين رجلا من
الأعراب يشهدون أنه ليس ماء الحوأب ، وجعلوا لهم جعلا ، وكانت أول شهادة زور
أقيمت في الإسلام .
فليعتبر من به حياة ، وليذكر من كان له قلب واعلموا أن مثل هذه الأخبار لا تكون
مفتعلة ، وكيف افتعل مثل هذه الأخبار في عائشة ولم يفتعل مثلها في علي [ وإنما مهدنا
ذلك ] لتعلموا أنه لو كان سبيلها التخرص والتقول لجاز لمن خالفه عليه مثلها ، وهذه
روايتكم لا تدفعونها والكذب من علي والمهاجرين والأنصار أبعد ، ومن الأعراب
والطغام وجند المرأة أقرب .
يقول علي رضي الله عنه وهو بالمدينة : ستنبحها كلاب الحوأب ، وتقول هي لما
رأت الماء ونبحتها كلاب الحوأب : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم [ وذكرت ] ما
ذكرناه آنفا ، [ ثم قالت ] : ثم دعا بعلي فناجاه .
هل يكون بيان أوضح [ من هذا ] من أن عليا لم يقدم ولم يحجم ، ولم يقل ، ولم
يسكت إلا بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم .
ثم قوله : لئن ظفرا بالأمر يعني الزبير وطلحة ليضربن بعضهم بعضا . وقد كان من
تشاحهما على الصلاة وقتالهما عليها ما يحقق قوله رضي الله عنه .