هامش
الرخاء والثراء ، والسلطة المطلقة ، وتوفير الناس وإجلالهم الذي يمنع من النقد
والحسبة والمؤاخذة ، وقد روى يحيى بن معين عن علي بن جعد عن الحسن بن صالح ،
قال : تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال : أزهد الناس في الدنيا علي ابن
أبي طالب .
وهنالك أمثلة من زهده ، وهي قليل من كثير :
أخرج أبو عبيد عن عنترة قال : دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق ، وعليه
قطيفة وهو يرعد فيها من البرد ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد جعل لك ولأهل
بيتك نصيبا في هذا المال ، وأنت ترعد من البرد ؟ فقال : إني والله لا أرزأ من مالكم
شيئا ، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي ، أو قال من المدينة .
وأخرج أبو نعيم في " الحلية " عن رجل من ثقيف أن عليا رضي الله عنه استعمله
على عكبرا ، قال : ولم يكن السواد يسكنه المصلون ، وقال لي : إذا كان عند الظهر فرح
إلي ، فرحت إليه ، فلم أجد عنده حاجبا يحجبني عنه دونه ، فوجدته جالسا وعنده قدح
وكوز من ماء ، فدعا بطينة فقلت في نفسي : لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا ، ولا
أدري ما فيها ، فإذا عليها خاتم ، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق ، فأخرج منها ، فصب في
القدح ، فصب عليه ماءا فشرب وسقاني ، فلم أصبر فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتصنع
هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك ، قال : أما والله ما أختم عليه بخلا عليه ،
ولكني أبتاع قدر ما يكفيني ، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره ، وإنما حفظي لذلك ،
وأكره أن أدخل بطني إلا طيبا .
وأوتي بالفالوذج ووضع قدامه بين يديه ، فقال : إنك طيب الريح ، وحسن اللون ،
طيب الطعم ، ولكن أكره أن أعود نفسي ما لم تعتده .
وعن زيد بن وهب قال : خرج علينا علي رضي الله عنه وعليه رداء وإزار قد وثقه
بخرقة ، فقيل له ، فقال : إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزهو ، وخيرا لي
في صلاتي ، وسنة للمؤمن .
وعن مجمع بن سمعان التيمي قال : خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسيفه إلى
السوق ، فقال : من يشتري مني سيفي هذا ؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزار
ما بعته .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن رزين قال : دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله
عنه ، فقرب إلينا خزيرة ، فقلنا : أصلحك الله ، لو أطعمتنا هذا البط يعني الأوز فإن الله
أكثر الخير ، قال : يا ابن رزين ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا
يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان : قصعة يأكلها هو وأهله ، وقصعة يضعها بين يدي
الناس .
وأخرج أبو عبيد في " الأموال " عن علي رضي الله عنه أنه أعطى العطاء في سنة
ثلاث مرات ، ثم أتاه مال من أصبهان ، فقال : اغدوا إلى عطاء رابع ، إني لست
بخازنكم ، فأخذها قوم وردها قوم .
خطب علي الناس فقال : أيها الناس والله الذي لا إله إلا هو ، ما رزأت من مالكم
قليلا ولا كثيرا إلا هذه ، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب ، فقال : أهدى إلي
دهقان ، وقال ثم أتى بيت المال وقال : خذوا ، أنشأ يقول :
أفلح من كانت له قوصرة * يأكل منها كل يوم تمرة
ويقول هبيرة بن يريم : قال سمعت الحسن بن علي خطيبا ، فخطب الناس فقال : يا
أيها الناس لقد فارقكم أمس رجل ما ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبع مائة درهم فضلت
من عطائه ، أراد أن يشتري بها خادما .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور حسن الشرقاوي في " أصول التصوف الإسلامي "
( ص 53 ط دار المعرفة الجامعية - الإسكندرية ) :
زاد زهد علي رضي الله عنه عن زهد أكابر الزهاد ، ولم يدخل إلى أهله وهو أمير
المؤمنين شيئا من أموال المسلمين ، ولم يلبس وهو أمير المؤمنين إزارا يزيد على ثلاثة
دراهم ، يغسل بيت المال بيده عسى أن يكون ذلك شفيعا له يوم القيامة ، يبيع سيفه
الذي قاتل به المشركين ويقول : لو كان عندي ثمن إزار قميص ما بعته ، يرى وهو يلبس
المرقع من الثياب فيعاتبه أحد الخوارج فيقول له : ما لك وثوبي ، إنه أبعد عن الكبر
وأجدر أن يقتدي به المؤمن .
بمن يقتدي المسلم إن لم يقتد بعلي ، باب العلم ، ومنارة الحكمة ، وشقيق الرسول
وعلى سريره في الجنة .
الباكي الحزين ، المؤمن الصابر ، الصادق اليقين ، العادل الأمين ، أول المجاهدين ،
الناصر للدين ، العالم الحكيم . . . العارف بعلوم الظاهر والباطن والحق والباطل .