دائما يردد في نفسه ما لم يخفه عن أحبابه : من طلب الجنة سارع إلى الطاعات ، ومن
أشفق من النار ، رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها . وتأبى
نفسه الكريمة إلا أن تلتحف بأديم الأرض وتؤثر خبزا غير مأدوم ، متحففة من زاد
الدنيا ضاربة بها عرض الحائط لا تلوي على شئ فيها ، متزودة للآخرة متأهبة
للرحيل ، منتظرة لقاء الحق أية لحظة ، لأن جوار الكريم ضالة منشودة ، ونهاية
محمودة ينشرح لها صدور المؤمنين المتقين . كان أحب الأسماء إليه أبو تراب الذي
أسماه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد أبى أن ينزل قصر الإمارة بالكوفة وهو أمير ، ثم آثر عليه الأرض الخلاء
العراء البراح وقال : قصر الخبال لا أنزله أبدا .
ليس هذا فحسب إنما يلتذ من خشن الملبس ، قائلا في نفسه : إن الزهد يصرف
عنه ، ويساعده على الخشوع في الصلاة ، إن الذي يركن إلى الدنيا مثله كمثل من يركن
إلى جدار متصدع منهار ، قال تعالى في كتابه الكريم : ( والعاقبة للتقوى )
( والعاقبة للمتقين ) .
والترف واللهو مطمع النفوس الدنيئة التي ترغب العاجلة ، ولا تلقي بالا للآجلة ،
هذا هو عين الضيق الفكري والعقلي معا .
وقال الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني المصري في " المدخل إلى التصوف "
( ص 53 ط دار الثقافة بالقاهرة ) :
وكان علي مثلا بارزا في الزهد والتقشف والدعوة إليهما ، فقال لعمر بن الخطاب :
إذا أردت أن تلقى صاحبك ، فاقع قميصك ، واخصف نعلك ، وقصر أملك ، وكل
دون الشبع .
وقد قال عنه ابن عيينة : إنه كان أزهد الصحابة ، وشهد له الإمام الشافعي بأنه كان
عظيما في الزهد .
شرح إحقاق الحق — صفحة 249
مساهمون: السيد شهاب الدين المرعشي النجفي
ص٢٤٩