ومنهم الفاضل المعاصر الشريف علي فكري الحسيني القاهري المتوفى سنة 1372
في كتابه " أحسن القصص " ( ج 3 ص 214 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) قال :
وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال : أفرض أهل المدينة وأقضاهم علي بن
أبي طالب .
ومنهم العلامة عبد الله بن نوح الجيانجوري المتولد في سنة 1324 في " الإمام
المهاجر " ( ص 156 ط دار الشروق بجدة ) قال :
وقال ابن مسعود : أفرض أهل المدينة وأقضاها علي .
وقال فيه أيضا :
وقالت عائشة : علي أعلم من بقي بالسنة .
ومنهم الأستاذ محمد سعيد زغلول في " فهارس المستدرك " للحاكم ( ص 692 ط
بيروت ) قال :
كان أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب 3 / 135
ومنهم المستشار عبد الحليم الجندي في " الإمام جعفر الصادق " ( ص 30 ط المجلس
الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة ) قال :
وأما عن العلم فيقول ابن عباس : إذا ثبت لنا الشئ عن علي لم نعدل إلى غيره ،
وأما عن العدل فيقول ابن مسعود معلم الكوفة وسادس المسلمين : كنا نتحدث أن
أقضى أهل المدينة علي ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال العلامة المؤرخ الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن الحسن
الجذامي النباهي الأندلسي المالقي المعروف بابن الحسن المتوفى بعد سنة 793 في
" تاريخ قضاة الأندلس المسمى بمرقبة العليا فيمن يستحق القضا والفتيا " ( ص 23 ط
دار الآفاق الجديدة في بيروت سنة 1403 ) :
وأما أرسخ الصحابة في العلم بالقضاء رضوان الله عليهم أجمعين فهو علي بن
أبي طالب من غير خلاف . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأقضاهم علي . وكان
عمر بن الخطاب يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن . وقال في المجنونة التي أمر
برجمها ، وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر إقامة الحد عليها ، فقال له علي :
إن الله رجع القلم من
المجنون . . الحديث .
فكان عمر يقول : لولا علي هلك عمر . وقيل لعطاء : أكان من أصحاب محمد صلى
الله عليه وسلم أحد أعلم من علي ؟ قال : والله ما أعلمه . وكان معاوية يكتب فيما ينزل
به ليسأل له علي بن أبي طالب عنه ، فلما بلغه قتله ، قال : ذهب العلم بموت علي . ومن
كلام ضرار فيه ، وقد طلب منه معاوية وصفه بعد وفاته ، فقال : كان والله بعيد المدى ،
شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة
من نواحيه ، إلى غير ذلك من صفاته .
وفي مصنف أبي داوود عن علي رضي الله عنه قال : بغتني النبي صلى الله عليه
وسلم إلى اليمن قاضيا ، فقال : إن الله عز وجل سيهدي قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا
جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضي حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ،
فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء . قال : فما زلت قاضيا ، وما شككت في قضاء بعد .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور مصطفى أمبابي أستاذ الفقه المقارن بجامعة
الأزهر في " الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي " ( ص 105 ط دار المنار للنشر
والتوزيع - القاهرة عام 1406 ) :
أما علي بن أبي طالب فقد كان مبرزا في الفقه والقضاء ، وانتشرت أحكامه
وفتاويه ، وكان الصحابة يعتمدون عليه في حل القضايا المشكلة ، فإذا لم يجدوا لها حلا
عنده يئسوا من وجوده عند غيره ، ولذلك كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن
أي علي بن أبي طالب ، ويعترف ببراعته في القضاء ، فيقول : علي أقضانا ، ويشاركه
في ذلك ابن مسعود فيقول : أقضى أهل المدينة ابن أبي طالب ، ويقول هو عن نفسه :
والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا
ولسانا سؤولا .
ولا نجد شهادة لتزكية علي أثمن من شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له حين
قال : أنا دار الحكمة وعلي بابها ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : يا علي لك سبع
خصال لا يحاجك فيهن أحد يوم القيامة : أنت أول المؤمنين بالله إيمانا ، وأوفاهم بعهد
الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأرأفهم بالرعية ، وأقسمهم بالسوية ، وأعلمهم بالقضية ،
وأعظمهم مزية يوم القيامة .
وقضية من مكر النساء : كانت امرأة تهوى شابا لا يبادلها الهوى ، فصبت بياض
بيض على ثوبها وبين فخذيها ، واشتكت إلى عمر ، صارخة أن الشاب غلبها على
نفسها ، وفضحها بين أهلها ، مشيرة إلى الآثار التي افتعلتها . فأنكر الشاب الدعوى ،
وأحال عمر القضية إلى الإمام علي . فأمر الإمام بماء حار ، صبه على الثوب ، فجمد
ذلك البياض . وهكذا ، طهرت الحقيقة بفطنته ودقة بصره ، فقام ذلك مقام التحليل
الكيماوي . وبالنتيجة زجر الإمام المرأة ، فاعترفت بحيلتها ، وقضى برد دعواها .
ونادرة أخيرة فيها بعض التورية ، وهي أن الفاروق سأل رجلا عن حاله ، فأجابه
أنه : يحب الفتنة ، ويكره الحق ، ويشهد على ما لم يره . فاغتاظ عمر من ظاهر عبارة
جوابه ، فأمر بسجنه . ولما بلغ أمره الإمام عليا قال للفاروق : إن الرجل صادق موضحا
أنه قال يحب المال والولد ، وقد قال الله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) .
ويكره الموت وهو حق ، ويشهد أن محمدا رسول الله ولم يره .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور علي عبد الفتاح المغربي في كتابه " الفرق الكلامية
الإسلامية " ( ص 143 دار التوفيق النموذجية في الأزهر ) :
من هنا حاول الشيعة أن يؤكدوا رأيهم في الخلافة وأنها بالنص فأوردوا نصوصا من
الكتاب والسنة وتأولوها بما يوافق رأيهم ويسانده ، وهذه النصوص انقسمت عندهم
إلى جلي وخفي :
فالجلي مثل قوله صلى الله عليه وسلم : أقضاكم علي ولا معنى للإمامة إلا القضاء
بأحكام الله ، وهو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم بقوله تعالى : ( أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ولهذا كان حكما في قضية الإمام يوم السقيفة
دون غيره .
ومن الخفي عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لقراءة سورة براءة في
الموسم حين أنزلت ، فإنه بعث بها أولا أبا بكر ، ثم أوحى إليه : ليبلغه رجل منك أو من
قومك ، فبعث عليا ليكون القارئ المبلغ ، قالوا : وهذا يدل على تقديم علي .
وقال الفاضل المعاصر عبد الرحمن الشرقاوي في " علي إمام المتقين " ( ج 1 ص
63 ط مكتبة غريب الفجالة ) :
وأما علي فقد انشغل بالعلم والتعليم وتفقيه الناس في أمور الدين والدنيا ، وبالفتيا
كلما استفتاه أحد أو سأله خليفة رسول الله ، وشاعت فتاوى علي ، وأصبح فقهه منذ
أخذ به الخليفة ، وكانت بعض هذه الآراء قد أفتى بها علي في زمن الرسول فأقرها
صلى الله عليه وسلم .
وقال في كتابه " أئمة الفقه التسعة " ج 2 ص 22 :
وقد رأى أحمد بن حنبل أن اتباع أحكام الإمام علي سنة لأن الرسول صلى الله عليه
وسلم أقر جميع أحكامه ، فكأنه هو الذي حكم ثم أنه قد خصه بعلم القرآن .
وقال الفاضل المعاصر المحامي الدكتور صبحي محمصاني في " تراث الخلفاء
الراشدين في الفقه والقضاء " ( ص 182 ط دار الغلم للملايين - بيروت ) :
أقضاكم علي ، كما قال النبي العربي صلى الله عليه وسلم ، وأقضانا علي ، كما ردد
الفاروق .
ولقد امتلأت كتب الفقه باجتهاد هذا الإمام القاضي ، وبطرائف أحكامه ، التي
اتصفت بالفطنة والذكاء ، والدقة وصواب التفكير ، وأدت إلى سداد الرأي وإحقاق
الحق . ونحن نوجز هنا بعض الأمثلة عن تلك الأقضية ، مختارة من كتاب الطرق
الحكمية ، على أن نذكر غيرها في فصول لاحقة .
منها قضية نسب : ادعى غلام أمام عمر الفاروق على امرأة أنها أمه ، فجاءت المرأة
بنفر شهدوا بأنها لم تتزوج ، وأن الولد كاذب ، فأمر عمر بضرب المدعي حد القذف .
فعلم الإمام علي بذلك ، فتداخل وعرض على الغلام أن يتزوج المدعى عليها .
فصرخت المرأة : الله الله ، هو النار ، والله ابني . ثم أقرت أن أهلها زوجوها زنجيا دون
رضاها ، فحملت منه هذا الغلام وذهب الزوج غازيا فقتل وبعثت هي بالولد إلى قوم نشأ
بينهم ، وأنفت أن يكون ابنها . فحكم علي بثبوت نسب الغلام ، وبإلحاقه بالمدعى
عليها .
وقضية قتل : ادعى شاب لدى الإمام علي أن أباه ذهب مع نفر في سفر ، وأنهم لما
عادوا زعموا أن والده مات ولم يترك شيئا من المال ، وأن القاضي شريحا استحلفهم
وأخلى سبيلهم . فأمر الإمام بتوكيل شرطين بكل من المدعى عليهم ، لمنعهم من
الاختلاط فيما بينهم ، ثم استجوبهم كلا منهم على حدة ، عن تفصيلات يوم
خروجهم ، ومكان نزولهم ، وعلة موت رفيقهم ، وكيف أصيب بماله ، وكيف دفن
وأين ، وما شاكل من الأسئلة الدقيقة . فكانت الأجوبة متناقضة ، فأمر بسجنهم ، فظن
كل منهم أن صاحبه قد أقر ، فأقروا عندئذ جميعا بحقيقة القضية . وبالنتيجة ، حكم
الإمام بتغريمهم المال ، وبإعدامهم قصاصا .
فهذه القضية تثبت جواز تفريق المدعى عليهم ، لأجل التحري عن الحقيقة ،
والوصل إلى الحكم بالعدل . وتثبيت أن الإقرار على أثر ذلك يعتبر صحيحا غير
مشوب بالإكراه .
وقال القاضي العلامة محمد بن خلف بن وكيع القرطبي المتوفى سنة 306 في
" أخبار القضاة " ( ج 1 ص 5 ط القاهرة ) :
وروايته لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو أجل القضاة ، إذ كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم استعمله على القضاء في حياته .
وقال الدكتور محمد مصطفى أمبابي أستاذ الفقه المقارن بجامعة مصر في " الجديد
في تاريخ الفقه الإسلامي " ( ص 107 ط دار المنار - القاهرة ) :
وقد كانت براعة علي في القضاء أمنية تمناها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحققها
الله سبحانه وتعالى له ، فقد قال علي : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن
قلت له : يا رسول الله ، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ، ولا أدري ما القضاء ، فضرب
الرسول صدري بيده ثم قال : اللهم اهد قلبه ، فوالذي فلق الحبة ما
شككت في قضاء بين اثنين .
وقد استطاع علي كرم الله وجهه أن يجمع بين سلاحي الفقيه الناجح : العقل
والنص ، فضم إلى فطنته وبراعته كثيرا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ،
ولذلك كان من رؤساء المفتين في عصره . ويبدو أن إكثاره من أحاديث كان راجعا إلى
أمرين : حب علي للتلقي عن رسول الله ورغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تفقيه
علي ، وإنماء حاسته العلمية ، ويدل لذلك أنه سئل يوما ، فقيل له يا علي ، ما لك أكثر
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ؟ فقال : إني كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا
سكت ابتدأني .
وكان المتوقع وعلي بهذه الصفة من الفقه والعلم ، أن نجد علمه ، وفقهه على لسان
الجمهور من الرواة والفقهاء ، لكن هؤلاء لم ينقلوا عنه إلا قليل ، وعن طريق جماعة
معينة من الناس . ومع أن ابن القيم جعل عليا من المكثرين في الفتوى إلا أنه أسقطه من
عداد الناشرين للفقه ، واقتصر على أربعة فقط ، هم : عبد الله بن مسعود ، وزيد بن
ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعلل مسلكه بقوله : قاتل الله الشيعة ،
فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه ، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل
الصحيح لا يعتمدون من حديثه فتواه إلا ما كان عن طريق أهل بيته ، وأصحاب عبد الله
ابن مسعود ، ولكن بعض الباحثين لم يرتض هذا التعليل من ابن القيم ، وأرجع قلة
المروي عن علي إلى محاربة الحكم الأموي لكل آثاره العلمية ، حتى يضمحل شأنه ،
ولا يشيع بين الناس ذكره .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور فاروق عبد العليم موسى رئيس محكمة الاستئناف
في " الشريعة الإسلامية أصل أحكام القضاء " ( ص 79 ط دار الأقصر للكتاب ،
كرداسة - جيرة ) :
ومن قضاء علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه :
من بين ما تميز الإمام علي الصواب في القضاء وذلك منذ أن أرسله رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ودعا له : اللهم ثبت لسانه واهد قلبه ، وفي رواية قال عليه
الصلاة والسلام له : إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك ، ويقول الإمام علي : فما
شككت في قضاء بين اثنين قط ، وفي رواية : وما أشكل علي قضاء بعد .
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : وأقضاهم علي بن أبي طالب .
وكان علي رضي الله تعالى عنه يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم ، فإن لم يجد نصا اجتهد رأيه فيهما .
ونورد آخر قضية فيها وهو يعالج سكرات الموت ويعاني من آلام الجراح ،
والمتهم فيها هو الذي طعنه طعنات قاتلة بسيف مسموم ، قال رضي الله تعالى عنه عن
ابن ملجم : إنه أسير ، فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه ، فأن بقيت قتلت أو عفوت وإن مت
فاقتلوه قتلتي ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .
وقال في الهامش :
مسند أحمد / 1 / 83 ، 88 ، سنن أبي داود / 2 / 114 ، الحاكم / 3 / 135 وقال :
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد / 5 / 63 ، وروى وكيع بسنده عن ابن عمر
وشداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقضى أمتي علي ، وروى
عن عمر قوله أقضانا علي . أخبار القضاة / 1 / 88 .
الطبقات الكبرى / ابن سعد / 1 / ق 3 / 23 ، المستدرك للحاكم / 3 / 144 وفيه :
فإن أعش فهضم أو قصاص ، وأن مت فعاجلوه فإني مخاصمه عند ربي عز وجل .