ومنهم الفاضل المعاصر أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول في " موسوعة
أطراف الحديث النبوي الشريف " ( ج 11 ص 198 ط عالم التراث للطباعة والنشر -
بيروت ) قال :
يا علي ستقاتلك الفئة الباغية ( 1 ) .
هامش
1 ) الفئة - بكسر الفاء وفتح الهمزة ثم الهاء : طائفة من الناس أو فرقة منهم أو جماعة منهم
والجمع فئات وفئون والهاء عوض من الياء - أو عوض من الواو لأن الأصل : فأوت أي
فرقت وشققت ، يقال : فأوت رأسه فأوا إذا فلقته بالسيف ، ويقال أيضا : فأيته فأيا
بالياء - وقيل : هو ضربك قحفه حتى ينفرج عن الدماغ .
والأنفياء : الانفراج ومنه اشتق اسم الفئة وهم طائفة من الناس والفأو : الشق .
والبغي أصله الحسد ثم سمي الظلم بغيا لأن الحاسد يظلم المحسود جهده اراغة
زوال نعمة الله عليه عنه .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر : " تقتلك الفئة الباغية " -
وهم معاوية وأصحابه فإنهم قتلوه .
وكان عمار يوم صفين ينادي بأعلى صوته : الرواح إلى الجنة ، تزينوا لحور العين .
وكبر عندما شرب ضياح اللبن ، وروى لهم حديثا سمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه قال له : " آخر زادك ضياح من لبن ثم تلقاني " .
وقال عمار : " لو ضربونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنهم على الباطل وأنا
على الحق " .
وذكروا أنه لما توجه إلى صفين قال : " اللهم لو أعلم أنه أرضى لك أن أرمي بنفسي
من فوق هذا الجبل لرميت بها ، ولو أعلم أنه أرضى لك أني أوقد لنفسي نارا عظيمة
فأقع فيها لفعلت ، وإني لا أقاتل أهل الشام إلا وأنا أرجو أن لا يخيبني وأنا أريد
وجهك " .
قالوا : وكان عمار يحب عليا كما قام خطيب من أهل العراق يدعوا أهل الشام قام
عمار في أثره فقال : أنا والله ما نجد إلا قتال أهل الشام أو ندخل النار .
قال العلامة الأديب المؤرخ أبو عمر ابن عبد ربه الأندلسي في " العقد الفريد " ج 4
ص 340 ط القاهرة :
العتبى قال : لما التقى الناس بصفين نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له :
المرقال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ، أرقل ليمون . وكان أعور ، والراية بيده وهو
يقول :
أعور يبغي نفسه محلا * قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا
فقال معاوية لعمرو بن العاص : يا عمر ، هذا المرقال ، والله لئن زحف بالراية زحفا
إنه ليوم أهل الشام الأطول ، ولكني أرى ابن السوداء إلى جنبه ، يعني عمارا ، وفيه
عجلة في الحرب ، وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة .
وجعل عمار يقول : أبا عبتة ، تقدم . فيقول : يا أبا اليقضان ، أنا ، أعلم بالحرب
منك ، دعني أزحف بالراية زحفا ، فلما أضجره وتقدم ، أرسل معاوية خيلا فاختطفوا
عمارا ، فكان يسمى أهل الشام قتل عمار فتح الفتوح .
أبو بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب ، عن أسود بن
مسعود ، عن حنظلة بن خويلد ، قال : إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان
في رأس عمار ، كل واحد منهما يقول : أنا قتلته . فقال لهما عبد الله بن عمرو بن
العاص : ليطب به أحد كما نفسا لصاحبه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول له : تقتلك الفئة الباغية .
أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عليه ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن أم سلمة ،
قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتل عمارا الفئة الباغية .
أبو بكر قال : حدثنا علي بن حفص ، عن أبي معشر ، عن محمد بن عمارة ، قال :
ما زال جدي خزيمة بن ثابت كافا سلاحه يوم صفين حتى قتل عمار ، فلما قتل سل
سيفه وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتل عمارا الفئة الباغية . فما
زال يقاتل حتى قتل .
أبو بكر ، عن غندر ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال :
رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا آخذا الحربة بيده ، ويده ترعد ، وهو يقول :
والذي نفسي بيده ، لقد قاتلت بهذه الحربة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث
مرات وهذه الرابعة ، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت
أنا على حق وأنهم على باطل .
ثم جعل يقول : صبرا عباد الله ، الجنة تحت ظلال السيوف .
أبو بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن حبيب ، عن أبي البختري ، قال :
لما كان يوم صفين واشتدت الحرب دعا عمار بشرية لبن وشربها وقال : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال لي : إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن .
أبو ذر ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جدته
أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم
مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه
وسلم فوضع ردائه ، فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم
يرتجزون ويقولون ويعملون :
لئن قعدنا والنبي يعمل * ذاك إذا لعمل مطلل
قالت : وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا منظفا ، فكان يحمل اللبنة ويجافي بها
عن ثوبه ، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر إلى ثوبه ، فإذا أصابه شئ من التراب نفضه .
فنظر إليه علي رضي الله عنه فأنشده :
لا يستوي من يعمر المساجد * يدأب فيها راكعا وساجدا
وقائما طورا وطورا قاعدا * ومن يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني . فسمعه عثمان ،
فقال : يا بن سمية ، ما أعرفني بمن تعرض ، ومعه جريدة ، فقال : لتكفن أو لأعترضن
بها وجهك . فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط ، فقال : عمار
جلدة ما بين عيني وأنفي ، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني ، وأشار بيده فوضعها بين
عينيه . فكف الناس عن ذلك ، وقالوا لعمار : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
غضب فيك ونخاف أن ينزل فينا قرآن . فقال : أنا أرضيه كما غضب . فأقبل عليه فقال :
يا رسول الله ، ما لي ولأصحابك ؟ قال : وما لك ولهم ؟ قال : يريدون قتلي ، يحملون
لبنة ويحملون علي لبنتين . فأخذ به طاف به في المسجد ، وجعل يمسح وجهه ، من
التراب ويقول : يا بن سمية ، لا يقتلك أصحابي ، ولكن تقتلك الفئة الباغية .
فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال معاوية : هم
قتلوه لأنهم أخرجوه إلى القتل . فلما بلغ ذلك عليا قال : ونحن قتلناه أيضا حمزة لأنا
أخرجناه