الحرام فألقيت الأصنام تتكسر كما يتكسر القوارير ، ثم نزلت فانطلقنا نستبق خشية أن
يلقانا أحد من الناس ( 1 )
هامش
قال العلامة الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن البكري الشافعي الأشعري المصري
المتوفى سنة 956 في ( الدرة المكللة في فتح مكة المشرفة المبجلة ) ( ص 125 ط
القاهرة ) في ذكر مكالمة أبي سفيان مع عباس بن عبد المطلب :
قال الراوي : فبينما هم في الحديث ، وإذا بغبرة قد ظهرت ، وعجاجة قد ارتفعت ،
وظهر من تحتها ألف فارس عليهم الدروع الداودية ، متقلدين بالسيوف الهندية ،
راكبين على الخيول العربية ، فروع الشجرة الهاشمية ، وأبطال العصابة النبوية . وفي
أوائلهم رجل جسيم ، قد علا بطنه قربوس سرجه ، يخط الأرض برجليه والشجاعة
لائحة بين عينيه ، وبيده رايتان كريمتان ، فتأملته فإذا هو فارس الدين وبطل الموحدين
وقاطع الكفرة والمشركين زوج البتول وابن عم الرسول وسيف الله المسلول ليث
بني غالب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فتقدم على أبي سفيان وهو يرتجز
ويقول :
أهز لوائي حيثما كنت سائرا * وقد هز إسرافيل في الجو خافق
وجبريل ميكائيل لا شك سائرا * أمام رسول الله بالحق ناطق
ومعهم خيول الله في الجو والملا * كتائب نصر بالحرب البوارق
بهم تكشف الأهوال في كل مشهد * وفينا رسول الله في العد سابق
نصرنا رسول الله بالبيض والقنا * ونخلي ديار الشرك من كل بارق
فأسلم أبا سفيان تحظى بأحمد * وتحظى بحور ناهدات عواتق
فإن رسول الله أفضل من مشى * وأفضل من أضحى إلى الدين سائق
عليه صلاة الله ما طار طائر * وما غرد القمري وما ذر شارق
قال الراوي : ثم هز الراية في وجه أبي سفيان وحمل عليه حتى كاد أن يقضي عليه ،
وقال : انظر يا عدو الله ما أعد الله لك ولقومك . ثم كبر ثلاثا ومر منطلقا وتبعته كتيبته ،
فقال أبو سفيان : يا أبا الفضل من هذا الذي لم يكن في عساكركم مثله ، لقد تخيل لي
أن الموت لائح بين عينيه ، يريد أن يخطف روحي بيديه . فقال له العباس : هذا هو
الفارس الكرار ، والبطل الهدار ، هذا صاحب المفاخر والمناقب ، هذا شجاع
بني غالب ، هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال أبو سفيان :
لقد قلع قلبي من خوفي منه .
إلى أن قال في ص 144 :
ثم إنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وبسط رداءه وصلى في كل أسطوانة
ركعتين ، ثم رفع رأسه وإذا بحيطان الكعبة كلها مصورة على صورة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام وهم يقسمون بالأزلام ويشيرون إلى الأصنام .
فقال صلى الله عليه وسلم : كذبوا على الأنبياء ، وقرأ قوله تعالى : ( ما كان لله أن
يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ( آل عمران : 67 ) ،
ثم رفع رأسه فرأى صورة عالية تشبه صورة إبراهيم عليه السلام ، فقرأ قوله تعالى :
( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )
ثم دعا بماء فأتوه بإناء فيه ماء ، فغسل تلك الصور جميعا ، فلما غسلها صلى الله عليه
وسلم قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله أحنى ظهري لتصعد عليه
وتمحو تلك الصورة بيدك الكريمة ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا تقدر يا علي على
تحمل النبوة ، ولكن أنت ترقى على كتفي وتمحوها ، فأجابه الإمام إلى ذلك وصعد
على منكبه صلى الله عليه وسلم ومسح تلك الصور ، فلما رآه العساكر قالوا له : من مثلك
يا أبا الحسن قد علوت على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هنيئا لك يا بن
أبي طالب ، فقال الإمام : يا رسول الله لما علوت على منكبك ظننت أني أطول السماء
بيدي ، فقال صلى الله عليه وسلم : فوالذي نفسي بيده ما وجدت لك ثقلا وإنما حملك
جبريل ومكائيل عليهما السلام ، وأنشد لسان الحال يقول :
ماذا أقول لمن حطت له قدم * في موضع وضع الرحمن يمناه
علي الهاشمي المرتضى خلقا * وهو الذي الحق وافاه وأعطاه
قال الراوي : ثم نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهبل الذي على ظهر الكعبة ،
وقال : يا أبا الحسن انظر إلى الصنم الذي كانت قريش وغيرهم يعبدونه من دون الله
ويضلون به كثيرا من الناس ، فقال الإمام علي رضي الله : عنه أتأذن لي يا رسول الله أن
أصعد على ظهر الكعبة وأرميه على أم رأسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو لك
يا أبا الحسن ، فصعد الإمام على ظهر الكعبة ، فلما رآه أهل مكة على ظهر الكعبة لم
يبق أحد من أهل مكة إلا وخرج لينظر كيف يصنع بالهبل الكبير وهو مسبوك عليه
بالرصاص ، فقال بعضهم لبعض : ما كفى محمد بن عبد الله دخول مكتنا بالسيف قهرا
حتى يفجعنا في الهبل الكبير ، ولكن الساعة يغضب الصنم ويرميه من عنده على
أم رأسه أو يسلط عليه أعوانه فيرموه قتيلا بين يديه .
قال الراوي : فلما تقدم علي إلى الهبل ليرمه وإذ قد خرج إليه مردة الجن والشياطين
من جوف الصنم ، وقد أتوا أفواجا أفواجا ليخوفوه ويزعجوه ، فلما رآهم الإمام علي
صرخ عليهم الصرخة المعلومة بين قبائل العرب وقرأ عليهم قسما كان علمه له رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان
إلا على الظالمين ، وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا
مستورا ، اللهم بما رأته الحجب من جلال جمالك ، وبما طاف به العرش من بهاء
كمالك ، بألف آلائك المعطوف على أوليائك ، بباء بهائك لأحبابك ، بتاء تمامك
الدائم بدوامك ، بثاء ثنائك المنعوت بكبريائك ، بجيم جمالك الدال على كمالك ،
بحاء حلمك الدال على صفائك ، بخاء خبائك الظاهر لأصفيائك ، بدال دوامك في
تناهي علوك وارتفاعك ، بذال ذاتك المنعوتة في صفاتك ، براء رشدك لأهل قصدك ،
بزاي زجرك لأهل معصيتك ، بشين شأنك في رفيع قدرك ، بصاد صدقك الموفي
لخلقك ، بضاد ضيائك في أرضك وسمائك ، بطاء طولك لأهل فضلك ، بظاء ظلك
بآياتك ، بعين علمك المحجوب عن عبيدك ، بغين غناك عن مخلوقاتك ، بفاء فضلك
لأهل ذكرك ، بقاف قربك من أهل ودك ، بكاف كرامتك بأصفيائك ، بلام لطفك بجميع
خلقك ، بميم ملتك مع عظيم قدرتك ، بنون نورك لأهل جنتك ، بهاء هدايتك لأهل
طاعتك ، بواو ودك لأوليائك ، بلام ألف لا إله إلا أنت يا كريم ، وبجلال فضلك
العظيم ، بياء يسرك لمن ابتلى بعسرك ، دفعت كل من يؤذيني بالصافات صفا ،
والذاريات ذروا ، والنازعات غرقا ، أرجز المردة والشياطين لا ينطقون إلى يوم
الدين ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ،
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، خرست
الألسن ، وخمدت الأعين ، وخضعت الأعناق لأسماء الملك الخلاق ، إن ينصركم الله
فلا غالب لكم ، وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ، وعلى الله فليتوكل
المؤمنون ، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ، كتب الله لأغلبن أنا
ورسلي ، إن الله قوي عزيز ، اللهم يا من جعلت بين البحرين حاجزا وبرزخا وحجرا
محجورا ، اللهم يا علي المكان ، يا شديد الأركان ، يا قوي السلطان ، يا دائم
الإحسان ، يا من شأنه الكفاية والرعاية ، يا من هو الغاية وإليه النهاية ، يا كاشف الضر
بالعناية ، اصرف عني كل ما يكيدني بالأشباح الروحانية ، والأقسام اليونانية والكلمات
العبرانية ، بما نزل في الألواح من التبيين والإيضاح ، أعوذ بك من شر طارق في الليل
إذا غسق ، والصبح إذا انفلق ، من شر ما خلق ، ومن شر غاسق إذا وقب ، ومن شر
النفاثات في العقد ، ومن شر حاسد إذا حسد ، ومن شر جميع الأشرار الخاضعين لرب
العالمين ، زجرت الطيارين في الهواء ، من يجوس ضلال الديار ، البارزين في
الأسحار ، السائحين في أطراف النهار ، ووجدت الله الملك الجبار الذي كل شئ
عنده بمقدار ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، لا ملجأ لكم من صواعق القرآن
المبين وعظائم أسماء رب العالمين ، طابعكم مطمو تفرقوا أشتاتا ، تيقظوا أمواتا
أزهقوا رفاتا ، فإني تحصنت بذي العزة والجبروت ، واعتصمت برب الملكوت
وتوكلت على الحي الذي لا يموت ، مولاي أسلمت إليك فلا تضيعني ، وتوكلت عليك
فلا تخيبني ، والتجأت إليك فلا تردني ، أنت المطلوب والمطلب ، إليك المفر
والمهرب ، أمسك عني أيدي الظالمين ، من الإنس والجن أجمعين ، فإن تولوا فقل
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .
قال الراوي : فما أتم الإمام علي ذلك القسم العظيم إلا والهبل الكبير خر على
أم رأسه على الأرض ، فترلزلت مكة من ثقل تلك الصخرة ، فعند ذلك وقف النبي
صلى الله عليه وسلم على باب الكعبة ، وقال : لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ألا وإن
قتل الخطأ شبه العمد بالسوط وبالعصا في هذا البلد فيه الدية الكاملة ، مائة من الإبل ،
أربعون منها في بطونها الأولاد ، ألا يا معشر قريش إن الله تعالى قد أذهب عنكم فخر
الجاهلية ، وقرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) يا معشر قريش ما
ترون ما فعلت بكم ؟ قالوا : خيرا يا رسول الله ، نعم الأخ الكريم ، والنبي الرحيم ، ثم
قال : اذهبوا أنتم العتقاء ، ثم التفت بوجهه لبني خزاعة ، وقال لهم : اعلموا أن الله تعالى
حرم هذا البيت الحرام ، والبلد الحرام من يوم خلق السماوات والأرض ، لا يحل لمؤمن
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها الدماء ، ولا يعضد فيها الشجر ، وإنها لم تحل
لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولا حلت هذه الساعة إلا غصبا على أهلها ، ثم
عادت إلى حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فالحاضر منكم يبلغ الغائب - الخطبة
الشريفة .