الآية الثالثة
قوله تعالى : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا
وأنفسكم ) ( سورة آل عمران : 61 )
قد تقدم ما ورد في نزولها في شأن سيدنا الأمير علي بن أبي طالب صلوات
الله عليه في ج 3 ص 46 إلى ص 75 وج 9 ص 70 إلى ص 91 وج 14 ص 131
إلى ص 148 وج 18 ص 389 وص 390 وج 20 ص 84 إلى ص 87 عن كتب
أعلام العامة ونستدرك هيهنا عن الكتب التي لم نرو عنها في ما مضى : ( 1 )
هامش
( 1 ) قال العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري
المتوفى سنة 783 في كتابه ( المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ) ج 2 ص
228 ط حيدر آباد الدكن سنة 1396 :
ومن الذين كاتبهم صلى الله عليه وسلم وأرسل إليهم أسقف نجران ، وهو كان
كبير وادي نجران والمشار إليه بينهم .
روى صاحب الهدي المحمدي بسنده عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد
يسوع ، عن أبيه ، عن جده ، قال يونس - وكان نصرانيا فأسلم : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران :
( بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله
من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن
أبيتم فقد آذنتكم بحرب . والسلام ) .
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به وذعر ذعرا شديدا ، فبعث إلى رجل
من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من همدان - ولم يكن أحد
يدعى إذا نزل له معضلة قبله ، لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب ، فدفع الأسقف
كتاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقرأه ، فقال الأسقف : يا أبا مريم ما رأيك ؟
فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة [ فما
يؤمن
أن يكون هذا هو ذلك الرجل ، ليس لي في النبوة ] رأي ، لو كان من أمر الدنيا
أشرت عليك فيه برأيي ، وجهدت لك فيه . فقال الأسقف : تنح فاجلس ، فتنحى
شرحبيل فجلس ناحية ، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله
بن
شرحبيل ، وهو من ذي أصبح من حمير ، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ،
فقال له مثل قول شرحبيل . فقال له الأسقف : تنح فاجلس ، فجلس ناحية . فبعث
الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن قيص من بني الحارث بن كعب
،
فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله ، فأمره
الأسقف
فتنحى ، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الأسقف بالناقوس
فضرب ، ورفعت المسوح في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ،
وإذا كان فزعهم بالليل ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع ، فاجتمع
حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله وطول الوادي
مسيرة يوم للراكب السريع ، وفيه ثلاثة وسبعون قرية وعشرون ومائه ألف مقاتل ،
فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه ،
واجتمع رأي
أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن
شرحبيل
وجبار بن قيص الحارثي فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم
يجرونها من الحبرة وخواتيم الذهب ، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا
فلم
يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب ، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان
وعبد الرحمن بن عوف - وكانا معرفة لهم - كانا يخرجان العير في الجاهلية إلى
نجران ويشترون لهما من برها وتمرها وذرتها ، فوجدوهما في ناس من
المهاجرين
والأنصار من مجلس . فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم قد كتب إلينا
بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا وتصدينا لكلامه
نهارا
طويلا فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما أنعود ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب رضي
الله عنه وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان
وعبد الرحمن : أرى أن يضعوا حللهم وخواتيمهم ، ففعلوا ثم عادوا إلى رسول
الله
صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد سلامهم ، ثم سألهم وسألوه ، فلم تزل به
وبهم
المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى
فيسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ما عندي فيه شئ يومي هذا ، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى ،
فأصبح
الغد وقد أنزل الله تعالى ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم
قال له
كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه - إلى قوله
عز وجل على الكاذبين ) . فأبوا أن يقروا بذلك ، فلما أصبح رسول الله صلى الله
عليه
وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل
له - قال
عياض : الخميلة كساء ذات خمل - وفاطمة تمشي عند ظهره للمباهلة وله
يومئذ عدة
نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن قيص قد
علمتما
أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي ، وإني
والله أرى أمرا مقبلا ، وأرى والله إن كان هذا الرجل مبعوثا فكنا أول العرب
طعنا في عيثه وردا عليه أمره ، ولا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى
يصيبونا بجائحة ، وإني لأرى القرب منهم جوارا ، وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا
فلاعناه فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك . فقال له صاحباه :
فما الرأي ؟ فقد وضعتك الأمور على ذراع ، فهات رأيك . فقال : رأيي أن أحكمه
،
فإني أرى الرجل لا يحكم شططا أبدا . فقالا له : أنت وذاك .
فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قد رأيت خيرا من
ملاعنتك . فقال : وما هو ؟ قال شرحبيل : حكمك اليوم إلى الليل وليلته إلى
الصباح ،
فمهما حكمت فينا فهو جائز . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعل وراءك
أحدا يثرب عليك ؟ فقال شرحبيل : سل صاحبي . فسألهما فقالا : ما يرد الوادي
ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كافر - أو
قال جاحد - موفق . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم ، حتى إذا
كان من الغد أتوه فكتب له هذا الكتاب :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما كتب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه
وسلم لنجران ، إذ كان عليهم حكمه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء
ورقيق ، فأفضل عليهم ، وترك ذلك كله على ألفي حلة ، في كل رجب ألف حلة ،
وفي كل صفر ألف حلة ، أو قيمة كل حلة من الأواقي ، ما زادت على الخراج أو
نقصت عن الأواقي فبحساب ، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض
أخذ
منهم بحساب ، وعلى نجران مثواة رسلي ومتعتهم بها عشرين فدونه ، ولا
يحبس
رسول فوق شهر ، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان
كيد باليمن ذو معذرة ، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب فهو
ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم ، والنجران وحاشيتها جوار الله وذمة
محمد
النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم
وبيعهم ،
وأن لا يغيروا مما كانوا عليه ، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم ، ولا يغير
أسقف
من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا وقهة من وقهيته - الوقه : الطاعة ، قاله
الجوهري - وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، وليس عليهم دية ولا دم
جاهلية ، ولا يحشرون ولا يعشرون ، ولا يطأ أرضهم جيش ، ومن سأل منهم حقا
فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه
بريئة ، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر ، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله
وذمة
محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير
مبتلين
بظلم . شهد أبو سفيان بن حرب ، وغيلان بن عمرو ، ومالك بن عوف ، والأقرع
ابن حابس الحنظلي ، والمغيرة بن شعبة ، وكتب ) .
فلما قبضوا كتابهم وانصرفوا إلى نجران تلقاهم الأسقف ووجوه نجران على
مسيرة ليلة ، ومع الأسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن
معاوية وكنيته أبو علقمة ، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
الأسقف ، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذا كبت ببشر ناقته ،
فتعس
بشر غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الأسقف عند
ذلك :
قد والله تعست نبيا مرسلا . فقال بشر : لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه !
فضرب وجه ناقته نحو المدينة ، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له : أفهم عني ،
إنما
قلت هذا ليبلغ العرب عني مخافة أن يقولوا إنا أخذنا حمقة ، أو نجعنا لهذا
الرجل
بما تنجع به العرب ، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا ، فقال له بشر : لا والله لا أقيلك
ما خرج من رأسك أبدا ، فضرب بشر وهو مول ظهره للأسقف وهو يقول :
إليك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
قال الجوهري : الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب والحزام للسرج ،
وجمعه وضن ، وهو النسع من سيور منسوج بعضه على بعض ، والوصن : النسج .
حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم
حتى استشهد بعد ذلك .
ودخل الوفد نجران ، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة
له ، فقيل له : إن نبيا قد بعث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف ، فأجمع أهل الوادي
أن يسيروا إليه شرحبيل وعبد الله وجبارا فيأتونهم بخره ، فساروا حتى أتوه ،
فدعاهم إلى المباهلة فكرهوا ملاعنته ، وحكمه شرحبيل فحكم عليه حكما
وكتب
لهم كتابا ، ثم أقبل الوفد بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف ، فبينا الأسقف يقرؤه
وبشر معه إذ كبت ببشر ناقته فتعسه ، فشهد الأسقف أنه نبي مرسل ، فانصرف أبو
علقمة نحوه يريد الاسلام .
فقال الراهب : أنزلوني وإلا رميت نفسي من هذه الصومعة ، فأنزلوه فانطلق
الراهب بهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منها هذا البرد الذي يلبسه
الخلفاء
والقعب والعصا وأقام الراهب بعد ذلك يستمع كيف ينزل الوحي والسنن
والفرائض
والحدود ، وأبى الله للراهب الاسلام فلم يسلم ، واستأذن رسول الله صلى الله
عليه
وسلم في الرجعة إلى قومه وقال : إن لي حاجة ومعادا إن شاء الله . فرجع إلى
قومه
فلم يعد حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وذكر محمد بن سعد في الطبقات : إن وفد نجران كانوا أربعة عشر رجلا من
أشرافهم نصارى ، فيهم العاقب وهو عبد المسيح رجل من كندة ، وأبو الحارث
ابن علقمة رجل من ربيعة ، وأخوه كرز ، والسيد وأوس ابنا الحارث ، وزيد بن
قيس
وشيبة ، وخويلد ، وخالد ، وعمرو ، وعبيد الله ، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم
والعاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه وأبو الحارث
أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم ، والسيد وهو صاحب رحلتهم .
فتقدمهم كرز أخو أبي الحارث وهو يقول :
إليك تغدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم الوفد بعده ، فدخلوا المسجد
عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير ، فقاموا يصلون في المسجد نحو
المشرق ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم ، ثم أتوا النبي صلى الله عليه
وسلم
فأعرض عنهم ولم يكلمهم ، فقال لهم عثمان : ذلك من أجل زيكم هذا ،
فانصرفوا
من يومهم ذلك ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه ، فرد عليهم ودعاهم إلى
الاسلام ، فأبوا وكثر الكلام والحجاج بينهم وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم أباهلكم . فانصرفوا على ذلك .
وغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا : قد بدا لنا أن لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك ،
فصالحهم
على ألفي حلة : ألف في رجب وألف في صفر ، أو قيمة كل حلة من الأواقي ،
وعلى
عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد ، ولنجران
وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم
وملتهم
وأرضهم وأموالهم غائبهم وشاهدهم وبيعهم ، ولا يغير أسقف من سقيفاه ولا
راهب
من رهبانيته ولا واقف من وقفانيته ، وأشهد على ذلك شهودا ، منهم أبو سفيان
بن
حرب والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة ، فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد
والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما ، وأنزلهما
دار
أبي أيوب الأنصاري .
وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
قبضه الله تعالى - صلوات الله عليه ورحمته ورضوانه .
ثم ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكتب بالوصاة بهم عند وفاته ، ثم
أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرضهم وكتب لهم ( هذا
ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران : من سار منهم أنه آمن بأمان الله ، لا يضرهم
أحد من المسلمين وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو
بكر
رضي الله عنه ) . فوقع ناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة .
وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود : أن السيد والعاقب أتيا رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما ، فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه فوالله
لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالوا له : نعطيك ما سألت
فابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث حق أمين ، فاستشرف لها أصحابه فقال : قم يا
أبا عبيدة .
فلما قام قال : هذا أمين هذه الأمة .
وذكر البغوي في تفسير قوله عز وجل ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه
من تراب ثم قال له كن ) الآيات ، نزلت في وفد نجران ، قالوا لرسول الله صلى
الله
عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ؟ فقال : وما أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد . قال :
أجل ، هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ، فغضبوا وقالوا : هل
رأيت انسانا قط من غير أب ؟ فأنزل الله عز وجل ( إن مثل عيسى عند الله ) في
كونه
خلقا من غير أب ( كمثل آدم ) لأنه خلق من غير أب وأم ( خلقه من تراب ثم قال
له ) يعني لعيسى ( كن فيكون ) يعني فكان .
فإن قيل : ما معنى قوله ( خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) خلقا ولا
تكوين بعد الخلق .
قيل : معناه خلقه ثم أخبركم أني قلت له : كن ، فكان من غير ترتيب في الخلق
كما يكون في الولادة ، وهو مثل قول الرجل : أعطيتك اليوم درهما ، ثم أعطيتك
أمس درهما ، أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما ، وفيما سبق من التمثيل
على
جواز القياس دليل ، لأن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه ، وقد رد الله
تعالى خلق عيسى إلى آدم بنوع شبه .
قوله ( الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) الخطاب له صلى الله عليه وسلم
والمراد أمته .
ثم قال تعالى ( فمن حاجك فيه ) أي جادلك في عيسى ( من بعد ما جاءك من
العلم ) بأن عيسى عبد الله ورسوله ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) أراد الحسن
والحسين وفاطمة وعليا عليهم السلام ، والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه ،
قيل في
قوله نبتهل : نتضرع ، وقيل : نجتهد ونبالغ في الدعاء ، وقيل : نلتعن : والابتهال :
الالتعان . ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) منا ومنكم في أمر عيسى .
فلما قرأها عليهم قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا ، فخلا
بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال :
والله لقد
عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ووالله ما لاعن قوم نبيا قط فعاش
كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن ، فإن أبيتم إلا الإقامة على ما
أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم .
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن
وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهما وهو يقول : إذا أنا دعوت فأمنوا . فقال
أسقف
نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه
لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة .
فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونلبث على
ديننا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما
للمسلمين وعليكم ما عليهم ، فأبوا ، فقال : فإني أنابذكم . فقالوا : ما لنا بحرب العرب
طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي
لك كل عام ألفي حلة ، ألفا في صفر وألفا في رجب ، فصالحهم على ذلك وقال صلى
الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ، ولو تلاعنوا
لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ولاستأصل الله نجران وأهله
حتى الطير على الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال : أهل نجران عرب من بني
الحارث بن كعب ، وهم أول من أعطى الجزية من النصارى .
قلت : وأخبرني الشيخ أحمد بن حسن بن علي الحرازي أن نجران بادية
في مشارق أرض اليمن بينها وبين صعدة مما يلي الشرق مسيرة أربعة أيام ، وهو
واد
كثير النخل ينسب إليه أهل اليمن القصب النجراني ، أكثرهم مسلمون وبه نصارى
من بقية أولئك ، وهم أهل بادية يصنعون ، أكثر مواشيهم المعز ، والحاكم عليهم
في وقتنا - وهي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة - إمام الزيدية
علي بن محمد الإمام ،
ثم توفي وخلفه ولده محمد ، يعرف بالسيد صلاح .