توسّعوا فيه ، حتّى سفكت الدماء من أجله وأبيحت ، وغصبت الفروج وانتهكت المحارم ، وغيّرت الأحكام من جرّائه ، وكاد أن يكون توسّعهم فيه أن يردّ الشريعة بدءا إلى عقب ، ويفصم عروة الدين ، ويقطع حبله .
ثمّ لننظر هل فيه من الاستعداد والمنّة « 1 » لتبديل السنن المتّبعة الّتي لا تبديل لها ؟ وهل هو من منح اللّه سبحانه على رعاع الناس ودهمائهم ، فيتقحّمونه كيف شاء لهم الهوى ؟ أو أنّ له أصولا متّبعة لا يعدوها المجتهد من كتاب وسنّة ، أو تأوّل صحيح إن ماشينا القوم في إمضاء الاجتهاد تجاه النصّ ؟
أو أنّه اتّسعت الفسحة فيه وأطلق الصراح حتّى نزا عليه كلّ أرنب ، وثعلب ، وتحرّاه كلّ بوّال على عقبيه أو أعرابيّ جلف جاف ؟
أنا لا أكاد أن اسوّغ للعلماء القول بتصحيح مثل هذا الاجتهاد ، وإنّما المتسالم عليه بينهم ما يلي :
قال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام « 2 » :
أمّا الاجتهاد : فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقّة ؛ ولهذا يقال : اجتهد فلان في حمل حجر البزّارة ، ولا يقال : اجتهد في حمل خردلة .
وأمّا في اصطلاح الاصوليّين ، فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد فيه .
وأمّا المجتهد ، فكلّ من اتّصف بصفة الاجتهاد ، وله شرطان :
الشرط الأوّل : أن يعلم وجود الربّ تعالى ، وما يجب له من الصفات ، ويستحقّه من الكمالات ، وأنّه واجب الوجود لذاته ، حيّ ، عالم ، قادر ،
هامش
( 1 ) - [ « المنّة » : القوّة ] .
( 2 ) - الإحكام في أصول الأحكام 4 : 169 .