تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
أقول قد مر أن الاجماع لم ينعقد على العصمة عن الكذب على إطلاقه ، بل خصها الأشاعرة بما بعد النبوة ، وأما ما ذكره من أن المراد بكذبات إبراهيم ما كان في صورة الكذب لا حقيقة فمما يأبى عنه استعذار إبراهيم ( ع ) عن شفاعة الناس بأنه كذب ثلاث كذبات فلا يليق بطلب الشفاعة من الله تعالى ، وأيضا يأبى عنه قوله ( ع ) في الرواية الثانية : إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات فإن ما يفيده سوق الكلام من الحصر والتأكيد بقوله قط يدل على أنه أراد حقيقة الكذب كما لا يخفى ، والحاصل أنا نعلم أن الكذب الذي يتراءى في الآية ليس بكذب بل هو من المعاريض ( 1 ) التي يقصد بها الحق وهو إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال صاحبك
شرح
( 1 ) قال المحقق التفتازاني في شرح التلخيص طبع الآستانة ص 374 ما لفظه : أن الكتابة إذا كانت عرضية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كان المناسب أن يطلق عليها اسم التعريض يقال عرضت لفلان وبفلان إذا قلت وأنت تعنيه ، فكأنك أشرت به إلى جانب ، وتريد جانبا آخر ومنه ( المعاريض ) في الكلام وهي التورية بالشئ عن الشئ ، وقال صاحب الكشاف الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظ الموضوع له ، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شئ لم نذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك فكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على المقصود ويسمى ( التلويح ) لأنه يلوح منه ما يريده ، وقال ابن الأثير في المثل السائر : التعريض هو اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي بل من جهة التلويح والإشارة ، ويختص بالمركب كقول من يتوقع صلة : والله إني محتاج فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا وإنما فهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه ، وفي الخبر عنهم عليهم السلام أن لكلامنا معاريض ، ومن ثم ترى المحققين من علمائنا الكرام يؤكدون الجد والجهد في فقه الحديث وكانت كتب الروايات المأثورة عن الأئمة ( ع ) مركز الإفادة والاستفادة والإجازة والمناولة والعرض والقراءة اهتماما بشأن الأثر ، والأسف كل الأسف في نبذها وراء الأظهر والاشتغال بما حاكته حيكة يونان ونسجته أرباب العرفان ، فترى الرجل المتوغل في وليدات تلك الأدمغة راجلا في فهم الخبر ، كيف والاستفادة من كلامهم عليهم السلام والاستنارة من أنوار بياناتهم تحتاج إلى أنس بتلك الدراري واليواقيت بعد كون المستفيد صيرفيا في الرجال والدراية ، وأرجو من فضله تعالى أن يوفقنا من سنة الغفلة حتى نصرف الأعمار العزيزة فيما أومأنا إليه والله المعين .