كل تلك الآيات معارضة بالآيات الدالة على أن جميع الأفعال بقضاء الله تعالى وقدره
وإيجاده وخلقه نحو : والله خلقكم وما تعملون ( 1 ) ، أي عملكم ، والله خالق
كل شئ ( 2 ) وعمل العبد شئ ، فعال لما يريد ( 3 ) وهو يريد الإيمان إجماعا ،
فيكون فعالا له وكذا الكفر إذ لا قائل بالفصل وأيضا تلك الآيات معارضة بالآيات
المصرحة بالهداية والضلال والختم نحو : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ( 4 )
وختم الله على قلوبهم ( 5 ) وهي محمولة على حقائقها كما هو الظاهر منها ، وأنت
تعلم أن الظواهر إذا تعارضت لم تقبل شهادتها خصوصا في المسائل النقلية ، ووجب
الرجوع إلى غيرها من الدلائل العقلية القطعية ، وقد ذكرنا فيما سلف من الكلام
ما يغني في إثبات هذا المقصد ، وأما ما استدل به على تعدد الخالقين من قوله تعالى :
فتبارك الله أحسن الخالقين ( 6 ) ، فالمراد بالخالقين هناك ما يدعي الكافرون
من الأصنام ، فكأنه يقول لهم : تبارك الله وهو أحسن من أصنامكم الذين
تجعلونهم الخالقين بزعمكم ، فإنهم لا يقدرون على خلق شئ ، والله يخلق مثل هذا
الخلق البديع المعجب ، أو المراد من الخالقين المقدرين للخلق كالمصورين ، لا أنه
تعالى أثبت لنفسه شركاء في الخلق ، ولكن المعتزلة ومن تابعهم يناسب حالهم ما قال
الله تعالى : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا
ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ( 7 ) .
شرح
( 1 ) الصافات . الآية 96 .
( 2 ) الزمر . الآية 62 .
( 3 ) هود . الآية 107 والبروج . الآية 16 .
( 4 ) البقرة . الآية 26 .
( 5 ) البقرة . الآية 7 .
( 6 ) المؤمنون . الآية 14 .
( 7 ) الزمر . الآية 45 .