على يد الكاذب ، ومتى لم يقطع بامتناع ذلك انسد علينا باب إثبات الفرق بين النبي
والمتنبي ، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى القبائح جاز أن يكذب في إخباره ،
فلا يوثق بوعده ووعيده وأخباره عن أحكام الآخرة والأحوال الماضية والقرون
الخالية ، وأيضا لزم من خلقه القبائح أن يدعو إليها ، وأن يبعث عليها ويحث
ويرغب فيها ، ولو جاز ذلك أن يكون ما رغب الله تعالى فيه من القبائح ، فتزول
الثقة بالشرائع ويقبح التشاغل بها ، وأيضا لو جاز منه تعالى أن يخلق في العبد
الكفر والضلال ويزينه له ويصده عن الحق ويستدرجه ( 1 ) بذلك إلى عقابه ، للزم
في دين الاسلام جواز أن يكون هو الكفر والضلال ، مع أنه تعالى زينه في قلوبنا ،
وأن يكون بعض الملل المتخالفة للاسلام هو الحق ، ولكن الله تعالى صدنا عنهم ،
وزين خلافه في أعيينا ، فإذا جوزوا ذلك لزمهم تجويز كون ما هم عليه هو من الضلالة
والكفر ، وكن ما خصمهم عليه هو الحق ، وإذا لم يمكنهم القطع بأن ما هم عليه
هو الحق ، وما خصومهم عليه هو الباطل لم يكونوا مستحقين للجواب ( إنتهى ) .
شرح
( 1 ) يقال : استدرجه ، أي أمهله وافتتن ، روي في البحار عن مشكاة الأنوار بسنده
إلى سنان بن طريف ، قال : قلت لأبي عبد الله ( ع ) : خشيت أن أكون مستدرجا قال : ولم ؟
قلت : لأني دعوت الله تعالى أن يرزقني دارا فرزقني ودعوت الله أن يرزقني ألف درهم
فرزقني ، ودعوته أن يرزقني خادما فرزقني خادما ، قال : فأي شئ تقول ، قال :
أقول : الحمد لله ، قال : فما أعطيت أفضل مما أعطيت ، الخبر ، وقال مولانا أمير المؤمنين
في نهج البلاغة يا بن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره ،
وقال : أيها الناس ليراكم الله من النعمة وجلين ، كما يراكم من النقمة فرقين ، إنه من
وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا ، ومن ضيق عليه في ذات
يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيع مأمولا ، انتهى .
فراجع كتب الأحاديث في مسئلتي الاستدارج والتمحيص ، ولتقفن هناك على فوائد جمة .