تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
والسعي إليه ثم نهض أمير المؤمنين والحاجب بين يديه حتى وقف بإزاء الأعرابي وسلم عليه ، فرد عليه السلام . فقال له الرشيد : يا أخا العرب أأجلس هيهنا بأمرك ؟ فقال له الأعرابي : ليس البيت بيتي ، ولا الحرم حرمي البيت بيت الله والحرم حرم الله وكلنا فيه سواء إن شئت تجلس وإن شئت تنصرف . قال : فعظم ذلك على الرشيد حيث سمع ما لم يخطر في أذنه وما ظن أحدا يواجهه بمثل ذلك ، فجلس إلى جانبه وقال له : يا أعرابي أريد أن أسئلك عن فرضك ، فإن قمت به فأنت بغيره أقوم ، وإن عجزت عنه ، فأنت بغيره أعجز . فقال له الأعرابي : سؤالك هذا سؤال متعلم أو سؤال متعنت ؟ قال : فعجب الرشيد من سرعة جوابه وقال : بل سؤال متعلم . فقال الأعرابي : قم واجلس مقام السائل من المسؤول قال : فقام الرشيد وجثا على ركبتيه بين يدي الأعرابي ، فقال له : قد جلست سل عما بدا لك ، فقال : أخبرني عما فرضه الله عليك ، فقال له : تسئلني عن أي فرض ، واحد أم خمسة فروض أم عن سبعة عشرة فرضا أم عن أربعة وثلاثين فرضا أم عن أربعة وتسعين فرضا أم عن واحدة من أربعين ، أم عن واحدة في طول العمر ، أم عن خمسة من مأتين ، قال : فضحك الرشيد مستهزءا ثم قال : سئلتك عن فرض ، فأتيتني بحساب الدهر . قال : يا هارون لولا أن الدين حساب لما أخذ الله الخلائق بالحساب يوم القيامة قال تعالى : فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين . قال : فظهر الغضب في وجه أمير المؤمنين وتغير من حال إلى حال حين قال له : يا هارون ولم يقل له : يا أمير المؤمنين وبلغ منه ذلك مبلغا شديدا غير أن الله عصمه من ذلك الغضب ورجع إلى عقله لما علم أن الله هو الذي أنطقه بذلك .