بحضرتنا جبال شاهقة مع ما وصفها من المبالغات والتقعقعات ( 1 ) الشنيعة والكلمات
الهائلة المرعدة المبرقة التي تميل بها خواطر القلندرية ، والعوام إلى مذهبه الباطل
ورأيه الكاسد الفاسد ، فهو شئ ليس بقول ولا مذهب لأحد من الأشاعرة ، بل
يورد الخصم عليهم في الاعتراض ، ويقول : إذا اجتمعت شرائط الرؤية في زمان وجب
حصول الرؤية ، وإلا جاز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة ( 2 ) ونحن لا نراها ، هذا
هو الاعتراض . وأجاب الأشاعرة عنه بأن هذا منقوض بجملة العاديات ، فإن
الأمور العادية يجوز نقائضها ( 3 ) مع جزمنا بعدم وقوعها ولا سفسطة هيهنا ، فكذا
الحال في الجبال الشاهقة التي لا نراها ، فإنا نجوز وجودها ونجزم بعدمها ،
وذلك لأن الجواز ( 4 ) لا يستلزم الوقوع ، ولا ينافي الجزم بعدمه ، فمجرد تجويزها
شرح
( 1 ) تقعقع : اضطرب وتحرك وصوت عند التحرك .
( 2 ) والتحقيق أنه إن أزيد من تجويز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة لم نرها ، الحكم
بإمكانها الذاتي ، فهذا عين مذهب الأشاعرة ، وليس يظهر فيه فساد أصلا ، ولا سفسطة
فيه قطعا ، وإن أريد عدم اليقين بانتفائها وعدم إباء العقل من تحققها فهو ممنوع ، إذ
عند الرجوع إلى الوجدان نعلم تحقق العلم العادي بانتفائها ولا ينافيه الامكان الذاتي
من الفضل بن روزبهان أيضا في نسخة أخرى .
( 3 ) قوله : يجوز نقائضها ، أي يحكم بإمكانها الذاتي ، لا أن العقل لا يأبى من تحقق
نقائضها في الواقع كيف ؟ والعلم العادي لا يحتمل متعلقه النقيض . وقد صرح هيهنا أيضا
بجزمنا بعدم وقوعها ، وكذا الكلام في قوله : فإنا نجوز وجودها ، وقد عرفت تحقيق الكلام
في الحاشيتين . من الفضل بن روزبهان .
( 4 ) أي الامكان الذاتي لا التجويز العقلي ، لظهور أن الأول لا ينافي الجزم دون الثاني
من الفضل بن روزبهان .