* * *
فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة ، طالت أو قصرت ، وبعد ذلك
خلاف :
من ( 1 ) الناس من قال : مقدار كل سورة أو أطول آية ، فهو معجز .
وعندنا كل واحد من الامرين معجز ، والدلالة عليه ما تقدم ( 2 ) ، والبلاغة
لا تتبين بأقل من ذلك ، فلذلك لم نحكم بإعجازه ، وما صح أن تتبين فيه ( 3 )
البلاغة ، ومحصولها الإبانة في الابلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل
لفظ ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام .
فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى ، كان بالغا وبليغا . فإذا ( 4 ) تجاوز
حد البلاغة إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة ، وانتهى إلى أمد ( 5 ) يعجز عنه
الكامل في البراعة - صح أن يكون له حكم المعجزات ، وجاز أن يقع موقع
الدلالات .
/ وقد ذكرنا أنه بجنسه ( 6 ) وأسلوبه مباين لسائر كلامهم ، ثم بما يتضمن من
تجاوزه في البلاغة الحد الذي يقدر عليه البشر .
* * *
فإن قيل : فإذا ( 7 ) كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة
شاردة ، تباين جميع ديوانه في البلاغة ، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف ( 8 )
مألوف طبعه ، ولا يعرف سبب ذلك البيت ، ولا تلك القطعة في التفصيل ، ولو أراد
أن يأتي بمثل ذلك أو يجعل ( 9 ) جميع كلامه من ذلك النمط ، لم يجد إلى ذلك
سبيلا ، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة ، لأنه ( 10 ) يتفق من المتأخر
فيها - فهلا قلتم : إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغه القصوى ( 11 ) ،
هامش
( 1 ) م : " بين "
( 2 ) م : " ما قد "
( 3 ) م : " فيه من "
( 4 ) م : " وإذا "
( 5 ) كذا في ا ، م . وفى ك ، س : " أمر "
( 6 ) م : " لجنسه
( 7 ) م ، ك : " إذا "
( 8 ) ا : " مخالف "
( 9 ) س ، ك " يجعل "
( 10 ) م " : لأنه لا يتفق "
( 11 ) س " مبالغة قصوى " . م ، ا " الغاية القصوى "