وكقوله : ( ليظهره على الدين كله ) ( 1 )
وكقوله : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا
وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ( 2 ) .
فامتنعوا من المباهلة ، ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا ،
على ما ذكر في الخبر ( 3 ) .
وكقوله : ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون
الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) ( 4 )
ولو تمنوه لوقع بهم . فهذا وما أشبهه فصل .
* * *
/ وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه ، من إخباره من قصص الأولين ، وسير المتقدمين
فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الاخبار ، ولم يشتغل بدرس الآثار ( 5 ) .
وقد حكى في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها .
ولذلك قال الله تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه
بيمينك ، إذا لارتاب المبطلون ) ( 6 ) .
وقال : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت
من الشاهدين ) ( 7 ) .
وقال : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ، ولكن رحمة من ربك ،
لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) ( 8 ) . فبين وجه دلالته من إخباره
بهذه الأمور الغائبة السالفة .
هامش
( 1 ) سورة التوبة 23
( 2 ) سورة آل عمران : 60
( 3 ) راجع أسباب نزول القرآن للواحدي 99
( 4 ) سورة البقرة : 94 - 95
( 5 ) قال المؤلف في كتاب " التمهيد " : ص 130 " والوجه
الآخر : ما انطوى عليه القرآن من قصص الأولين وسير الماضين ، وأحاديث المتقدمين ، وذكر ما شجر
بينهم وكان في أعصارهم ، مما لا يجوز حصول علمه إلا لمن كثر لقاؤه لأهل السير ، ودرسه لها وعنايته
بها ، ومجالسته لأهلها ، وكان ممن يتلو الكتب ويستخرجها ، مع العلم بأن النبي ، صلى الله عليه ، لم
يكن يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه ، وأنه لم يكن ممن يعرف بدراسة الكتب ومجالسة أهل السير والاخذ عنهم ،
ولا لقى إلا من لقوه ، ولا عرف إلا من عرفوه ، وأنهم يعرفون دأبه وديدنه ، ومنشأه وتصرفه ، في حال
إقامته بينهم وظعنه عنهم ، فدل ذلك على أن المخبر له عن هذه الأمور هو الله سبحانه علام الغيوب "
( 6 ) سورة العنكبوت : 48
( 7 ) سورة القصص : 44
( 8 ) سورة القصص : 46
إعجاز القرآن