واعتراضه في حسنه ( 1 ) ومائه ، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح
ونص ، ليتحقق ما ادعيناه منه .
ولولا هذه الوجوه التي بيناها ، لم يتحير فيه أهل الفصاحة ، ولكانوا يفزعون إلى
التعمل للمقابلة ، والتصنع للمعارضة ، وكانوا ينظرون في أمرهم ، ويراجعون أنفسهم ،
أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها .
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة . إنما عدلوا عن
هذه الأمور ، لعلمهم بعجزهم عنه ، وقصور فصاحتهم دونه .
ولا يمتنع أن يلتبس - على من لم يكن بارعا فيهم ، ولا متقدما في الفصاحة
منهم - هذا الحال ، حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل ، وحتى / يعرف حال عجز غيره .
إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك ، تحققا بظهور
العجز وتبينا له . وأما قوله تعالى حكاية عنهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) ( 2 ) فقد
يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم [ وقد يمكن أن يكون قاله
منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها ] ، وقد يمكن أن يكون
هذا الكلام إنما خرج منهم ، وهو يدل على عجزهم . ولذلك أورده الله مورد
تقريعهم ، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز ،
والضمان إلى الوفاء ، فلما لم يفعلوا ( 3 ) ذلك - مع استمرار التحدي وتطاول زمان
الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه - علم عجزهم ، إذ لو كانوا قادرين
على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط .
ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام
والحيات ، وفى وصف الأزمة والأنساع ، والأمور التي لا يؤبه لها ، ولا يحتاج إليها ،
ويتنافسون في ذلك أشد التنافس ، ويتبجحون به أشد التبجح ، فكيف يجوز أن
تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة ، والعبارات الفصيحة ، مع
تضمن المعارضة لتكذيبه ، والذب عن أديانهم القديمة ، وإخراجهم أنفسهم من
تسفيهه رأيهم ، وتضليله إياهم . والتخلص من منازعته ، ثم من محاربته ومقارعته .
هامش
( 1 ) س : " في جنسه "
( 2 ) سورة الأنفال : 31
( 3 ) س : " لم يستعملوا "