باب البيع
( 1 )
لما أنهى الكلام على ربع العبادات ، التي المقصود منها التحصيل الأخروي - وهي أهم ما خلق له الانسان - أعقبه
بربع المعاملات ، التي المقصود منها التحصيل الدنيوي - ليكون سببا للأخروي - وأخر عنهما ربع النكاح - لان شهوته
متأخرة عن شهوة البطن ، وأخر ربع الجنايات والمخاصمات لان ذلك إنما يكون بعد شهوة البطن والفرج .
( قوله : هو ) أي البيع . ( وقوله : لغة ) الأظهر أنه تمييز للنسبة ، أو ظرف مكان مجازا لها ، فحقه التأخير عن الخبر .
والتاء - في لغة - عوض من الواو ، لأنه من لغا يلغو - إذا تكلم - تطلق اسما على ألفاظ مخصوصة ، ومصدرا على
الاستعمال ، كقولهم لغة تميم إهمال ما - ونحو ذلك . ( قوله : مقابلة شئ بشئ ) أي على وجه المعاوضة ، ليخرج نحو
ابتداء السلام ورده ، فلا تسمى مقابلة ابتداء السلام برده ، ومقابلة عيادة مريض بعيادة مريض آخر بيعا في اللغة - كذا قال
بعضهم - وقال بعضهم : الأولى إبقاء المعنى اللغوي على إطلاقه ، وهو ظاهر كلام الشارح ، ومنه بالمعنى اللغوي : قوله
تعالى : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) * - إلى أن قال سبحانه - * ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز
العظيم ) * ( 2 ) ، وقول بعضهم :
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم * ولا أسلمها إلا يدا بيد
فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا * وإن غدرتم فإن الرهن تحت يدي
فالمبيع : هو المهجة - وهو الروح - والثمن : هو الوصل : ( قوله : وشرعا ) عطف على لغة ، وهو مقابل لها .
( وقوله : مقابلة إلخ ) أي عقد يتضمن مقابلة مال بمال ، لان البيع ليس هو المقابلة ، وإنما هو العقد . والأحسن في تعريفه
- كما قال بعضهم - أن يقال : هو عقد معاوضة محضة يقتضي ملك عين أو منفعة على الدوام ، لا على وجه القربة . ووجه
الأحسنية فيه : أنه سالم من التسمح - بحذف المضاف المذكور - وأنه يشمل بيع المنافع على التأبيد : كبيع حق البناء
والخشب على جداره ، وكبيع حق الممر للماء بأن لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره . والتعريف الذي ذكره
هامش
( 1 ) وهو عقد مشروع ثبتت مشرعيته بالكتاب والسنة ففي تنزيل العزيز الحميد قوله تعالى : ( وأحل الله البيع ) ( البقرة ، الآية : 275 ) وقوله
تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ( النساء ، الآية : 29 ) وفي السنة عندما سئل النبي ( ص ) أي الكسب أطيب ؟ قال : " عمل
الرجل بيده وكل عمل مبرور " رواه البزار وصححه الحاكم .
( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 111 .