فصل في بيان أحكام الغصب
أي في بيان أحكام الغصب ، كوجوب رده ، ولزوم أرش نقصه ، وأجرة مثله ، إلى غير ذلك والمعتمد أنه كبيرة
مطلقا ، وقيل كبيرة إن كان المغصوب مالا بلغ نصاب سرقة ، وإلا فصغيرة ، كالاختصاص ونحوه . والأصل في تجريمه
قبل الاجماع آيات : كقوله تعالى : * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * ( 1 ) أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل ، وقوله
تعالى : * ( ويل للمطففين ) * ( 2 ) وأخبار كخبر إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم وخبر من ظلم شبرا من
الأرض طوقه من سبع أرضين رواهما الشيخان ، وفي رواية لهما : من غصب قيد شبر من أرض : طوقه من سبع أرضين
يوم القيامة وقيد بكسر القاف وسكون الياء : بمعنى قدر . وطوقه ، بضم أوله ، وكسر الواو المشددة ، يحتمل أنه على
حقيقته ، بأن يجعل كالطوق في عنقه ، ويطول عنقه جدا حتى يسع ذلك ، ويحتمل أنه كناية عن شدة عذابه ونكاله ( قوله :
الغصب الخ ) أي شرعا ، أما لغة ، فهو أخذ الشئ ظلما مجاهرة وقيل أخذ الشئ ظلما مطلقا ، ودخل في الشئ ،
المال ، وإن لم يتمول ، كحبة بر ، والاختصاص ، كالسرجين ، والخمر المحترمة ، وخرجت السرقة على القول الأول ،
ودخلت على القول الثاني ، فتسمى غصبا لغة ( قوله : استيلاء على حق غير ) استيلاء ، مصدر استولى يقال استولى على
كذا إذا صار في يده قال البجيرمي : والمراد به ما يشمل منع الغير من حقه ، وإن لم يستول عليه ، بدليل قوله : كإقامة من
قعد بمسجد فهو استيلاء حكما . اه . وتعبيره بقوله على حق ، غير أعم من قول غيره على مال الغير ، لأنه يدخل في
الحق ، الاختصاص ، والمنافع ، بخلاف المال ، فلا يدخل فيه ما ذكر وفي شرح الروض ، ولا يصح قول من قال هو
الاستيلاء على مال الغير ، لأنه يخرج ، الكلب ، والخنزير والسرجين ، وجلد الميتة ، وخمر الذمي ، وسائر
الاختصاصات ، وحق التحجر . ( قوله : ولو منفعة ) أي : ولو كان ذلك الحق منفعة ، وقوله كإقامة من قعد بمسجد أو
سوق ، زاد في التحفة بعده ، والجلوس محله ، ولم يزده في النهاية . وكتب البجيرمي : قوله من قعد بمسجد ، أي وإن لم
يستول على محله . اه . وهو يوافق تعريفه السابق للاستيلاء ، أي فإذا أقام من قعد في مسجد أو سوق ، أي أو موات ، أو
منعه من سكنى بيت رباط مع استحقاقه له ، فهو غاصب ( قوله : بلا حق ) متعلق باستيلاء ، وكان الأولى تقديمه على
المثال ، لتنضم القيود إلى بعضها ، والمثل إلى بعضها ، ولان ظاهر عبارته يقتضي أنه متعلق بإقامة ، مع أنه من تتمة
التعريف ، فهو متعلق باستيلاء . وخرج به : العارية ، والسوم ، ونحوهما ، كالبيع ، فإن في ذلك استيلاء على حق الغير ،
لكن بحق . ودخل فيه ، ما لو أخذ مال غيره يظنه ماله ، فإنه غصب ، والتعبير به أولى من قول غيره عدونا ، لأنه يخرج به ما
ذكر ، فيقتضي أن ذلك ليس غصبا ، مع أنه غصب حقيقة ، على المعتمد خلافا لقول الرافعي ، إن الثابت في هذه حكم
الغصب ، لا حقيقته ، وهو ناظر إلى أن الغصب يقتضي الاثم مطلقا ، وليس كذلك ، بل هو غالب فقط .
( والحاصل ) أن الغصب ، إما أن يكون فيه الاثم والضمان ، كما إذا استولى على مال غيره المتمول عدوانا ، أو
الاثم دون الضمان ، كما إذا استولى على اختصاص غيره ، أو ماله الذي لا يتمول عدوانا ، أو الضمان دون الاثم ، كما إذا
استولى على مال غيره المتمول يظنه ماله ، فهذه ثلاثة أقسام ، وزاد بعضهم قسما رابعا : هو ما انتفى فيه الاثم والضمان ،
كأن أخذ اختصاص غيره يظنه اختصاصه .
( تنبيه ) لو أخذ مال غيره بالحياء ، كان له حكم الغصب ، فقد قال الغزالي : من طلب من غيره مالا في الملا ، أي
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 188 .
( 2 ) سورة المطففين ، الآية : 1 .