ويروى عن محمد بن المنكدر أنه حج ثلاثا وثلاثين حجة ، فلما كان آخر حجة حجها ، قال وهو بعرفات :
اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثا وثلاثين وقفة ، فواحدة عن فرضي ، والثانية عن أبي ، والثالثة عن أمي ،
وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا ، ولم تتقبل منه . فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة ، نودي
في المنام : يا ابن المنكدر ، أتتكرم على من خلق الكرم ؟ أتجود على من خلق الجود ؟ إن الله تعالى يقول لك : وعزتي
وجلالي ، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام .
وعن علي بن الموفق رحمة الله عليه قال : حججت في بعض السنين ، فنمت بين مسجد الخيف ومنى ، فرأيت
ملكين قد نزلا من السماء ، فقال أحدهما لصاحبه : يا عبد الله ، أتعلم كم حج بيت ربنا في هذه السنة ؟ قال : لا . قال
ستمائة ألف . ثم قال له : أتدري كم قبل منهم ؟ قال : لا . قال ستة أنفس . ثم ارتفعا في الهواء ، فقمت وأنا مرعوب ،
وقلت : واخيبتاه أين أكون أنا في هذه الستة أنفس ؟ فلما وقفت بعرفة وبت بالمزدلفة ، رأيت الملكين قد نزلا من السماء
على عادتهما ، فسلم أحدهما على الآخر ، وقال : يا عبد الله ، أتدري ما حكم ربك في هذه الليلة ؟ قال : لا . قال : فإنه
وهب لكل واحد من الستة المقبولين مائة ألف ، وقد قبلوا جميعا . قال : فانتبهت ، وبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله
تعالى ، إذ قبل الحجاج جميعهم ومنحهم برا وجودا ، ولم يجعل منهم شقيا ولا محروما ، ولا مطرودا .
( قوله : ووقته ) أي الوقوف . وقوله : بين زوال إلخ أي يدخل بزوال شمس ذلك اليوم ، ويخرج بطلوع فجر يوم
النحر . فمن وقف قبل الزوال وذهب من عرفة ، لا يصح وقوفه ، وكذلك من وقف بعد الفجر . ومن وقف بينهما صح
وقوفه ، ولو لحظة قبل الفجر ، وذلك لأنه ( ص ) وقف بعد الزوال رواه مسلم ، وأنه قال : من أدرك عرفة قبل أن يطلع
الفجر فقد أدرك الحج . وفي رواية : من جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج . (
( قوله : وهو ) أي يوم عرفة . ( وقوله : تاسع ذي الحجة ) فلو وقفوا قبله أو بعده لم يصح وقوفهم . نعم ، إن وقف الحجيج أو
فرقة منهم وهم كثير على العادة يوم العاشر للجهل - بأن غم عليهم هلال ذي حجة صح . وإن وقفوا بعد التبين ، كما إذا
ثبت الهلال ليلة العاشر ، ولم يتمكن من الوقوف فيها لبعد المسافة ، وإليه حينئذ تنتقل أحكام التاسع كلها ، فلا يعتد
بوقوفهم قبل الزوال ، ولا يصح رمي جمرة العقبة إلا بعد نصف ليلة الحادي عشر والوقوف . وهكذا جميع الأحكام .
( قوله : وسن له ) أي للحاج ، الجمع بين الليل والنهار ، وقيل يجب . ( قوله : وإلا ) أي وإن لم يجمع بينهما . ( وقوله :
أراق دم تمتع ) أي دما كدم التمتع في كونه مرتبا مقدرا . وقوله : ندبا أي وعلى المعتمد ، وعلى مقابله تجب إراقة دم .
( قوله : وثالثها ) أي أركان الحج . ( وقوله : طواف إفاضة ) أي لقوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( 1 ) .
( فائدة ) سمى البيت عتيقا : لان الله تعالى أعتقه من أيدي الجبابرة ، فلم يسلط عليه جبار قط ، بل كل من قصده
بسوء هلك .
وقال أبو بكر الواسطي : إنما سمي عتيقا لان من طاف به صار عتيقا من النار ، ولله در من قال : طوبى
لمن طاف بالبيت العتيق وقد * لجا إلى الله في سر وإجهار
ونال بالسعي كل القصد حين سعى * وطاف جهرا بأركان وأستار
هامش
( 1 ) الحج : 29