الحديث السادس والثلاثون
روى البخاري ( 13 / 384 فتح ) ومسلم ( 4 / 2102 رقم 1 ) في
الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فإن
ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ( 176 ) ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في
ملأ خير منهم ( 177 ) ، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب
إلي ذراعا اقتربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " ( 178 ) .
قلت : ذهب القاضي أبو يعلى ( المجسم ) إلى أن لله نفسا هي
صفة زائدة على الذات ، وهذا قول مبتدع بنوع التشبيه لأنه لا يفرق
بين الذات والنفس ، وما المانع أن يكون المعنى : ذكرته أنا وقد سبق
هذا في الكلام على الآيات ، والتقرب والهرولة ، توسع في الكلام كقوله
تعالى ( سعوا في آياتنا ) الحج : 50 . لا يراد به المشي .
هامش
( 176 ) معنى فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي هو كما قال الحافظ في الفتح
( 13 / 386 ) :
" أي إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرته بالثواب والرحمة سرا " .
( 177 ) قال الحافظ في الفتح :
" والتقدير إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا ، وإن ذكرني
جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملأ الأعلى " ا ه .
( 178 ) قال الحافظ في " شرح البخاري " ( 13 / 513 ) :
" قال ابن بطال : وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد
بالتقرب إليه ووصفه بالإتيان والهرولة ، كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز ،
فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الأجسام وذلك في حقه
تعالى محال ، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب ،
فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبرا وذراعا له وإتيانه ومشيه معناه التقرب إليه
بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله ، ويكون تقربه سبحانه من عبده وإتيانه والمشي
عبارة عن إثابته على طاعته وتقربه من رحمته ، ويكون قوله أتيته هرولة أي
أتاه ثوابي مسرعا ، ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر
منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته
لمن أدمن على طاعته ، أن ثواب عمله له على عمله الضعف وإن الكرامة
مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى .
وقال ابن التين : القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين
أو أدنى ) فإن المراد به قرب الرتبة وتوفر الكرامة ، والهرولة كناية عن سرعة
الرحمة إليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الأجر " ا ه .
قلت : وللنفس في لغة العرب عدة معان منها : الدم ومن ذلك قول الفقهاء :
( ما لا نفس له سائلة ) أي : دم ، ومنها : الروح ، تقول : خرجت نفس فلان
أو زهقت نفسه أي روحه ومنه قوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها )
أي يتوفى الأرواح حين موت الأجساد ، ومنها مجمل الإنسان من الروح
والجسد ، كما نقول : لا تظلم هذه الأنفس ، ومنها : العين ، نقول هذا أمر
رأيته بنفسي أي بعيني ، ومنها : الشئ والذات ، تقول : هذا نفس الأمر ، والله
أعلم .