التساهل في الحذر ، ويحثّونهم على التقية ، ويهددون تاركها ويتوعدونه بالعقاب الإلهي والدنيوي ، وغير ذلك مما نشاهده بشكل واضح في أخبار التقية ( 1 ) .
وهذه الظاهرة في أخبار أهل البيت ( عليهم السلام ) لا تفسير لها ، إلاّ أن أهل البيت لما كانوا قد ربّوا شيعتهم على الرفض للجور والظلم ، والصبر والصمود والتضحية والفداء من أجل الحق ، وتحمّل مختلف ألوان العذاب والمحن والآلام في سبيل المبدأ والعقيدة ، والثبات على المواثيق والعهود ، واجهوا مشكلة حقيقية في السيطرة على مدلولات هذه التربية العقائدية والمبدئية والروحية لشيعتهم وضبط سلوكهم العملي بشكل ينسجم مع عملية البناء وتحمّل المسؤوليات الكبرى تجاه الاسلام والكيان السياسي والأُمة الاسلامية . فكان عليهم أن يوجدوا تربية عقائدية سياسية ومبدئية موازية تحقق الموازنة مع التربية الروحية والمعنوية العالية في البذل والعطاء والتضحية والفداء .
فالتقية خط أمني يحمي الجماعة من عمليات القمع ، ولكنه في نفس الوقت له مضمون تربوي واجتماعي سياسي يحقق للجماعة الموازنة الروحية والنفسية في التعامل مع الاحداث المختلفة ويوجد لها فرصة المساهمة في عملية البناء والتغيير الاجتماعي .
ويؤكّد ذلك أن أهل البيت لم يجعلوا التقية مختصة بخصوص موارد الاخطار والضرر ، بل كانت التقية أشمل وأوسع من ذلك ( 2 ) .
هامش
( 1 ) منها ما ورد عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : « لا خير في من لا تقية له ، ولقد قال يوسف : ( أيتها العير إنكم لسارقون وما سرقوا ) » ( وسائل الشيعة 11 : 464 . ح 17 ) .
ومن مسائل داود قال : قال لي علي بن محمد الهادي ( عليهما السلام ) : « يا داود لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً » ( وسائل الشيعة 11 : 466 ، ح 26 ) . وقد أشير إلى بعض الأحاديث سابقاً .
( 2 ) سوف نتحدث في قسم آخر من هذه البحوث عن التقية وأبعادها المختلفة بما يوضّح هذه الفكرة .